الباحثون

جامع قرطبة الكبير

الجامع الكبير في قرطبة، أعظم ما بناه الأمويون في الغرب: بدأه عبد الرحمن الأول سنة ٧٨٥ ووسّعه خلفاؤه قرنين. تشتهر قاعته بغابة الأعمدة — مئات الأعمدة الرخامية تحمل عقودًا مزدوجة من حجر أحمر وأبيض، فتنفتح أمام المصلّي آفاق لا نهائية. ومحرابها من عهد الحكم الثاني تحفة فسيفساء بيزنطية تحمل النصوص الذهبية على أزرق وخضراء، ومقصورتها قبة من أضلع متشابكة كأنها دانتيل حجري. وبعد قرون صارت الكاتدرائية في وسطها، فصارت المبنى الوحيد الذي يجمع مسجدًا وكنيسة في بناء واحد — طبقات قرطبة كلها في مكان. وفيها يتعلّم الزائر أن العمارة ذاكرة أمة: أعمدة رومانية أُعيد استخدامها، وعقود أموية تطورت، ونقوش كتبت بلسان الفاتحين — فبقي البناء أمانةً في يد المدينة عبر خلفائها وملوكها ومللها. وما تزال أجراجها تُضاء يوميًّا فينتقل المصلّي بين ماضي المسلمين وحاضرهم في خطوة واحدة، فهي درس في أن الأوطان يمكن أن تتغيّر أسماؤها وتبقى ذاكرتها.

المسرد مجموعة التمرين