-
حروب الردة — نحو 632 م · نحو 11 هـ
عند البلاذري: لما استخلف أبو بكر ارتدت طوائف من العرب ومنعت الصدقة وقال قوم «نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة»، فقال أبو بكر «لو منعوني عقالاً لقاتلتهم» ويقال «عناقاً» — والعقال صدقة السنة؛ وروى مسلم الحوار نفسه في حديث الزهري عن أبي هريرة: سؤال عمر «كيف تقاتل الناس» وجواب أبي بكر وإقرار عمر به ؛ وقال عبد الله بن مسعود إن المسلمين قاموا بعد النبي مقاماً كادوا يهلكون فيه لولا منّة الله بأبي بكر: اجتمع رأيهم على أن لا يقاتلوا على بنت مخاض وابن لبون «وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين» فعزم الله له على قتالهم، ولم يرضَ منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية — الخطة المخزية أن يقرّوا بأن قتلاهم في النار وأن ما أخذوا من الأموال مردود، والحرب المجلية أن يخرجوا من ديارهم؛ وفي رواية طارق بن شهاب خيّرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية: نزع الحلقة والكراع، وردّ ما أصيب من المسلمين، وأداء ديات القتلى، وقتلاهم في النار؛ وقالت عائشة «توفي رسول الله فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها: أشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب»؛ وخرج أبو بكر إلى القَصّة يوجّه الزحوف إلى أهل الردة فصدهم خارجة بن حصن ومنظور بن زبان الفزاريان فانهزموا وتبعهم طلحة بن عبيد الله إلى أسفل ثنايا عوسجة، ثم عقد لخالد بن الوليد على الناس ولثابت بن قيس على الأنصار وبدأ بطليحة بن خويلد ببزاخة ثم تبعتها وقائع اليمامة والبحرين وعمان واليمن وحضرموت ومكة وتهامة والعراق.
-
فتح الشام — نحو 633 م · نحو 12 هـ
عند البلاذري: لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة وجّه الجيوش إلى الشام فعقد ثلاثة ألوية لخالد بن سعيد (فعزله) وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وأمر الأخيرين ويزيد بن أبي سفيان على طرق أيلة وتبوك وتتامّ جمعهم أربعة وعشرين ألفاً، فقاتلوا بداثن والعربة أول قتالهم، وولّى الواقديَّ روايةً عمرو بن العاص فلسطين وشرحبيلَ الأردنَ ويزيدَ دمشق؛ ثم سار خالد بن الوليد من العراق فجاءهم في ربيع الآخر سنة 13 فأميروه في كل حرب، فكانت وقعة أجنادين الكبرى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة 13 وفتحوا بصرى صلحاً وافتتح شرحبيل الأردن عنوة ما خلا طبريّة، ثم وقعة فحل بعد خلافة عمر بخمسة أشهر وأمير الناس أبو عبيدة بن الجراح بولاية من عمر، ثم يوم مرج الصفر لهلال المحرم سنة 14، ثم فتح دمشق وبيت المقدس.
-
حصار عين التمر وسبي كنيستها — نحو 633 م · نحو 12 هـ†
عند البلاذري: أتى خالد بن الوليد عين التمر فالصق بحصنها وكانت فيه مسلحة للأعاجم عظيمة فخرج أهل الحصن فقاتلوا ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد والمسلمون حتى سألوا الأمان فأبى أن يؤمنهم وافتتح الحصن عنوة وقتل وسبى ووجد في كنيسة هناك جماعة سباهم فكان من ذلك السبي حمران بن أبان بن خالد التمري مولى عثمان وسيرين أبو محمد بن سيرين وإخوته يحيى وأنس ومعبد وهو أكبرهم وهم موالي أنس بن مالك وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر ويسار جد محمد بن إسحاق صاحب السيرة وهو مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ومرة أبو عبيد جد محمد بن زيد بن عبيد بن مرة ونفيس بن محمد بن زيد بن عبيد بن مرة صاحب القصر عند الحرة ونصير أبو موسى بن نصير صاحب المغرب وهو مولى بني أمية؛ وقال ابن الكلبي كان أبو فروة عبد الرحمن بن الأسود ونصير أبو موسى عربيين من أراشة من بلي سبيا أيام أبي بكر من جبل الجليل بالشام وكان اسم نصير نصراً فصُغّر واعتقه بعض بني أمية فرجع إلى الشام وولد له موسى بقرية يقال لها كفر مري وكان أعرج وقد قيل إنهما أخوان من سبي عين التمر وولاؤهما لبني ضبة وقال المدائني يقال إنهما من سبي عين التمر فابتاع ناعم الأسدي أبا فروة ثم ابتاعه منه عثمان وجعله بحفر القبور فلما وثب الناس به كان معهم عليه فقال له رد المظالم فقال له أنت أولاها ابتعتك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك وأنما لُقّب أبو فروة بفروة كانت عليه حين سبي. وقيل إن خالداً صالح أهل حصن عين التمر وأن هذا السبي وجد في كنيسة ببعض الطسوج وقيل إن سيرين من أهل جرجرايا وإنه كان زائراً لقرابة له فأخذ في الكنيسة معهم. وعن الشعبي: صالح خالد أهل الحيرة وأهل عين التمر وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه وأن شيئاً عليهم ليس على أراضيهم شيء. وكان هلال بن عقة بن قيس بن البشر النمري على النمر بن ساقط بعين التمر فجمع لخالد وقاتله فظفر به فقتله وصلبه وقال ابن الكلبي كان عليهم يومئذ عقة بن قيس بن البشر بنفسه وانتقض ببشير بن سعد الأنصاري جرحه فمات فدفن بعين التمر ودفن إلى جنبه عمير بن رئاب بن مهشم بن سعيد بن سهم بن عمرو وكان أصابه سهم بعين التمر فاستشهد.
-
وقعة اليمامة — نحو 634 م · 12 هـ
عند البلاذري — وقد وردته في القسم الأول من كتابه — بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى اليمامة وأمره بمحاربة مسيلمة الكذاب فلما شارفها ظفر بقوم من بني حنيفة؛ وكان أول من لقي المسلمين الرجال بن عنفوة فقُتل، واستُشهد وجوه الناس وقراء القرآن ثم فاء المسلمون وثابوا، وأنزل الله عليهم نصره؛ ورمى عبد الرحمن بن أبي بكر مُحكّم بن الطفيل — الذي يقال له يُحكم اليمامة — بسهم فقتله، وأُلجئ الكفرة إلى الحديقة فسُميت يومئذ حديقة الموت وكانت تسمى أُباض؛ وقُتل مسيلمة في الحديقة واختلفوا في قاتله: بنو عامر بن لوى يقولون قتله خداش بن بشير، وبعض الأنصار قتله عبد الله بن زيد بن ثعلبة الذي أُري الأذان، وبعضهم أبو دجانة سماك بن خرشة ثم استُشهد، وبعضهم عبد الله بن زيد بن عاصم أخو حبيب بن زيد الذي كان مسيلمة قطع يديه ورجليه، ووحشي بن حرب قاتل حمزة كان يدّعي قتله ويقول «قتلت خير الناس وشرّ الناس»، وقوم قالوا إن هؤلاء جميعاً شركوا في قتله، وكان معاوية وبنو أمية يدّعونه له حتى قال عبد الملك بن مروان لحنفي وصف له القاتل «قضيت والله لمعاوية بقتله»؛ وكان شعار المسلمين «يا أصحاب سورة البقرة»، وأنكر بعض الأنصار على خالد استفراده بالرأي حين عزم على مناطحة مسيلمة ثم تبعوه؛ ونصب السائب بن العوام للناس عند رحالهم فقال «ليس لامرء مفرّ بعد رحله»؛ فلما نهكت الحرب المسلمين قال مجاعة بن مرارة لخالد إن أكثر أهل اليمامة لم يخرجوا لقتالهم وإنه يصالحه عنهم على نصف السبي ونصف الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع، فألبس المشايخ والصبيان والنساء السلاح وأقامهم على الحصون ثم رجع فزعم أن القوم رفضوا حتى رضّوه بربع السبي ونصف المال، فاستقر الصلح على ذلك فلما دخل خالد اليمامة ورأى من بقي بها قال «خدعتني يا مجاع»؛ وأسلم أهل اليمامة وأُخذت منهم الصدقة، وأتى خالداً كتاب أبو بكر بإنجاد العلاء بن الحضرمي فسار إلى البحرين واستخلف على اليمامة سمرة بن عمرو العنبري؛ وكان فتح اليمامة سنة 12، واختلفوا في عدد من استُشهد بها فأقل ما ذكروا سبعمائة وأكثره ألف وسبعمائة وقيل ألف ومائتان، ومن شهدائها زيد بن الخطاب أخو عمر — قيل قتله أبو مريم الحنفي وقيل لبيد بن برغث — وثابت بن قيس خطيب النبي وكان على الأنصار يومئذ، وأبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه، وأبو دجانة، وعباد بن بشر، وسالم؛ وأم حبيب وعبد الله ابني زيد بن عاصم نسيبة بنت كعب قاتلت يومئذ فانصرفت وبها جراحات — وكان مسيلمة قد قطع يدي ابنها حبيب ورجليه حين بعثه النبي إليه مع عبد الله بن وهب الأسلمي فلم يعرض لعبد الله. ويعدّ أنس بن مالك في الصحيح سبعين قتيلاً للأنصار يوم اليمامة كيومي أحد وبئر معونة .
-
توجيه جيوش الشام — نحو 12 أبريل 634 م · 1 محرم 13 هـ
عند البلاذري: لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة رأى توجيه الجيوش إلى الشام فكتب إلى أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد ويرغبهم في غنائم الروم فسارعوا من كل أوب، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال — خالد بن سعيد بن العاص، وشرحبيل بن حسنة (عند الواقدي ابن عبد الله بن المطاع الكندي وحسنة أمه، وعند الكلبي ابن ربيعة بن المطاع من ولد صوفة)، وعمرو بن العاص السهمي — وكان عقده هذه الألوية يوم الخميس لمستهل صفر سنة 13 بعد مقام الجيوش معسكرين بالجرف المحرم كله، وأبو عبيدة بن الجراح يصلي بهم، وقد أراد أبو بكر أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه — وروي أنه عقد له وليس بثابت — وذكر أبو يخنف أن أبا بكر قال للأمراء إن اجتمعتم على قتال فأميركم أبو عبيدة وإلا فيزيد بن أبي سفيان، وذُكر أن عمراً إنما كان مدداً للمسلمين وأميراً على من ضُمّ إليه؛ فلما عقد لخالد بن سعيد كرهه عمر وكلم أبا بكر في عزله وقال إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب فعزله ووجّه أبا أدوى الدوسي لأخذ لوائه فلقيه بذي المروة فأخذه منه فدفعه إلى يزيد بن أبي سفيان فسار به ومعاوية أخوه يحمله بين يديه — وقيل بل سُلّم إليه بذي المروة فمضى على جيش خالد، وسار خالد بن سعيد محتسباً في جيش شرحبيل؛ وأمر عمراً أن يسلك طريق أيلة عامداً لفلسطين، ويزيد طريق تبوك، وشرحبيل طريق تبوك أيضاً؛ وكان المقد لكل أمير في بدء الأمر ثلاثة آلاف رجل فلم يزل يتبعهم الأمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمسمائة ثم تتامّ جمعهم أربعة وعشرين ألفاً؛ وروي عن الواقدي أن أبا بكر ولّى عمراً فلسطين وشرحبيل الأردن ويزيد دمشق، وقال إذا كان بكم قتال فأميركم الذي تكونون في عمله، وروي أيضاً أنه أمر عمراً مشافهةً أن يصلي بالناس.
-
مسير خالد بن الوليد إلى الشام — نحو يونيو 634 م · ربيع الأول 13 هـ
عند البلاذري: لما أتاه كتاب أبي بكر وهو بالحيرة خلّف المثنى بن حارثة الشيباني على ناحية الكوفة وسار في شهر ربيع الآخر سنة 13 في ثمانمائة ويقال في خمسمائة، فأتى عين التمر ففتحها عنوة (وقيل وافاه الكتاب وهو بها وقد فتحها)، ثم سار إلى صندوداء بها قوم من كندة وإياد والعجم فقاتله أهلها فظفر وخلّف بها سعد بن عمرو بن حرام الأنصاري، وبلغه أن جمعاً لبني تغلب بالمضيح والمصيد مرتدين عليهم ربيعة بن بجير فأتاهم فهزمهم وسبى وغنم وبعث بالسبي إلى أبي بكر وكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجير أم عمر بن علي بن أبي طالب؛ ثم أغار على قراقر وهو ماء لكلب ثم فوز منه إلى سوى ماء لكلب أيضاً معهم فيه قوم من بهراء فقتل حرقوص بن النعمان البهراني من قضاعة واكتسح أموالهم، وكان لما ركب المفازة عمد إلى الرواحل فأرواها من الماء ثم قطع مشافرها وأجرها لئلا تجتر فتعطش واستكثر من الماء فنفد في طريقه فجعل ينحر الرواحل راحلة راحلة ويشرب وأصحابه الماء من أكراشها، ودليله رافع بن عميرة الطائي الذي مدحه الشاعر «لله در رافع أنّى اهتدى فوز من قراقر إلى سوى»؛ ثم خرج من سوى إلى الكوائل فأتى قرقيسيا فتركه صاحبها وانحاز إلى البر، وأتى أرك فحاصر أهلها ففتحها صلحاً على شيء أخذه منهم للمسلمين، وأتى دومة الجندل ففتحها، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة بن التيم من قضاعة وكتب لهم أماناً، وأتى تدمر فامتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أن يكونوا ذمة وأن قروا المسلمين ورضخوا لهم، وأتى القريتين فقاتله أهلها فظفر وغنم، وأتى حوارين من سنير فقاتله أهلها مع مدد بعلبك وبصرى فظفر فسبى وقتل، وأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فسبى وقتل، ووجّه بشر بن أبي أرطاة العامري وحبيب بن مسلمة الفهري إلى غوطة دمشق فأغارا على قرى من قراها، ووقف على الثنية المعروفة بثنية العقاب بدمشق ناشراً رايته وهي راية كانت للنبي سوداء فسُميت ثنية العقاب يومئذ، ونزل بالباب الشرقي من دمشق ويقال بباب الجابية فأخرج إليه أسقف دمشق نزلاً وخدمة فوعده بحفظ عهده، ثم سار حتى انتهى إلى المسلمين وهم بقناة بصرى.
-
وقعة أجنادين — نحو 16 يوليو 634 م · 12 ربيع الآخر 13 هـ
عند البلاذري: ثم كانت وقعة أجنادين — ويقال أجتادين — وشهدها من الروم زهاء مائة ألف، سرّب هرقل أكثرهم وتجمع باقوهم من النواحي وهرقل يومئذ مقيم بحمص، فقاتلهم المسلمون قتالاً شديداً وأبلى خالد بن الوليد يومئذ بلاءً حسناً ثم هزم الله أعداءه ومزقهم كل ممزق وقتل منهم خلق كثير؛ واستشهد يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وأخوه أبان (وقيل توفي أبان سنة 29)، وطُليب بن عمير بن وهب بن قصي بارزه علج فضربه فأبان يده اليمنى فسقط سيفه مع كفّه ثم غشيه فقتله وأمه أروى بنت المطلب عمة النبي ويكنى أبا عدي، وسلمة بن هشام بن المغيرة (وقيل قتل بمرج الصفر)، وعكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي (وقيل قتل يوم مؤتة)، ونعيم بن عبد الله النحام العدوي (وقيل قتل يوم اليرموك)، وهشام بن العاص بن وائل السهمي (وقيل قتل يوم اليرموك)، وعمرو بن الطقيل بن عمرو الدوسي (وقيل قتل يوم اليرموك)، وجندب بن عمرو الدوسي، وسعيد والحارث والحجاج بنو الحارث بن قيس بن عدي السهمي، وقال هشام بن محمد الكلبي قتل النعام يوم مؤتة وسعيد الحارث يوم اليرموك وتميم بن الحارث يوم أجنادين وأخوه عبيد الله بن عبد الأسد يوم اليرموك، وقتل الحارث بن هشام بن المغيرة يوم أجنادين؛ ولما انتهى خبر الوقعة إلى هرقل نُحب قلبه وسقط في يده ومُلي رعباً فهرب من حمص إلى أنطاكية — وقيل كان هربه عند قدوم المسلمين الشام؛ وكانت يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة 13 ويقال لليلتين خلتا من جمادى الآخرة ويقال لليلتين بقيتا منه؛ ثم جمعت الروم جمعاً بالياقوصة — وهي وادٍ فمه الفوّارة — فلقيهم المسلمون فكشفوهم وهزموهم وقتلوا كثيراً ولحق فلّهم بمدن الشام، وتوفي أبو بكر في جمادى الآخرة سنة 13 فأتت المسلمين نعيته وهم بالياقوصة.
-
فتح دمشق — نحو 19 مارس 635 م · جمادى الأولى 14 هـ
عند البلاذري: لما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع لهم بالمرج أقاموا خمس عشرة ليلة ثم رجعوا إلى دمشق لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة 14 فأخذوا الفوطة وكنائسها عنوة وتحصن أهل المدينة وأغلقوا بابها؛ فنزل خالد على الباب الشرقي في زهاء خمسة آلاف ضمهم إليه أبو عبيدة (وقوم يقولون كان خالد أميراً وإنما أتاه عزله وهم محاصرون)، وسمي الدير الذي نزل عنده دير خالد، ونزل عمرو بن العاص على باب توما وشرحبيل على باب الفراديس وأبو عبيدة على باب الجابية ويزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير إلى باب كيسان وجعل أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجي على مسلحة ببرزة؛ وكان الأسقف الذي أقام لخالد النزل يدعوه ويحدثه وقال ذات يوم «يا أبا سليمان إن أمركم مقبل ولي عليك عدة فصالحني عن هذه المدينة» فكتب له خالد كتابه المشهور: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها: أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يُهدم ولا يسكن شيء من دورهم؛ لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله والخلفاء والمؤمنين لا يُعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية»؛ ثم أعلمه بعض أصحاب الأسقف أنها ليلة عيد لأهل المدينة وأن الباب الشرقي قد ردم بالحجارة وأشار عليه بالسلم فأتاه قوم من أهل الدير بسلمين فرقي جماعة من المسلمين إلى أعلى السور ونزلوا إلى الباب وليس عليه إلا رجل أو رجلان فتعاونوا عليه وفتحوه عند طلوع الشمس، وكان أبو عبيدة قد عانى فتح باب الجابية وأصعد جماعة على حائطه فانصب مقاتلة الروم إليه فقاتلوهم حتى ولوا مدبرين ففتحه عنوة ودخل، فالتقى هو وخالد بالمقسلاط موضع النحاسين وهو البريص الذي قال فيه حسان بن ثابت «يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل»؛ وزعم ميثم بن عدي أن أهل دمشق صولحوا على أنصاف منازلهم وكنائسهم وقال الواقدي قرأت كتاب خالد فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس؛ ولما فتحت لحق بشر كثير من أهلها بهرقل بأنطاكية فكثرت فضول منازلها فنزلها المسلمون؛ وقال الواقدي كان الفتح في رجب سنة 14 وأرّخ كتاب خالد في ربيع الآخر سنة 15 لأنه كتبه بغير تاريخ فلما احتاجوا لتجديده عند اليرموك أرّخه بوقته؛ ورأى محرر الطبعة أن الصحيح دخول خالد من الباب الشرقي قسراً ودخول أبي عبيدة سلماً من باب الجابية، مستدلاً بأن جامع دمشق لم يكن بيد المسلمين منه قبل عمارته إلا الجانب الشرقي وبأن الكنيسة بقيت من غربه حتى هدمها الوليد بن عبد الملك؛ ثم اختار المسلمون من الكنائس ما لم يؤدّوا عنها الجزية وأمسكوا كنيسة يوحنا حتى أعطاهم النصارى جميع كنائس الفوطة فصفحوا عنها فكتب به معاوية إلى عمر فسرّه وأمضاه.
-
فتح مرعش وعمارتها — نحو 637 م · نحو 18 هـ
عند البلاذري: وجّه أبو عبيدة بن الجراح — وهو بمنبج — خالد بن الوليد إلى ناحية مرعش ففتح حصنها على أن جلا أهله ثم أخربه؛ وكان سفيان بن عوف الغامدي لما غزا الروم في سنة 30 رحل من قبل مرعش فساح في بلاد الروم، وكان معاوية بنى مدينة مرعش وأسكنها جنداً فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها وصالح عبد الملك الروم بعد موت أبيه مروان بن الحكم وطلبه للخلافة على شيء كان يؤديه إليهم، فلما كانت سنة 74 غزا محمد بن مروان الروم وانتقض الصلح، ولما كانت سنة 75 غزا الصائفة أيضاً محمد بن مروان وخرجت الروم في جمادى الأولى من قبل مرعش إلى الأعماق فزحف إليهم المسلمون وعليهم أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط ومعه دينار بن دينار مولى عبد الملك بن مروان وكان على قنسرين وكورها فالتقوا بعمق مرعش فاقتتلوا قتالاً شديداً فهُزمت الروم وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون — وكان دينار لقي في هذا العام جماعة من الروم بجسر يغرا وهو من شمشاط على نحو عشرة أميال فظفر بهم؛ ثم إن العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش فعمّرها وحصّنها ونقل الناس إليها وبنى لها مسجداً جامعاً وكان يقطع في كل عام على أهل قنسرين بعثاً إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد وشُغل بمحاربة أهل حمص خرجت الروم وحصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنسرين بعيالاتهم ثم أخربوها — وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحرث الكلابي والطاغية يومئذ قسطنطين بن ليون — ثم لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشاً لبناء مرعش فبُنيت ومُدّنت فخرجت الروم في فتنته فأخربتها فبناها صالح بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور وحصّنها وندب الناس إليها على زيادة العطاء واستخلف المهدي فزاد في شحنتها وقوّى أهلها.
-
فتح الجزيرة — نحو يوليو 639 م · رجب 18 هـ
عند البلاذري عن داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه عن جده عن ميمون بن مهران: «الجزيرة كلها فتوح إياد بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة، ولاه إياها عمر بن الخطاب — وكان أبو عبيدة استخلفه على الشام فولى عمر يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية من بعده الشام وأمر إياداً بغزو الجزيرة»؛ وقال سليمان بن عطاء: بعث أبو عبيدة إياداً إلى الجزيرة فمات أبو عبيدة وهو بها فولاه عمر إياها بعد؛ وعند الواقدي — وهو أثبت ما سمعوه في أمره — أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس سنة 18 واستخلف إياداً فورد عليه كتاب عمر بتوليته حمص وقنسرين والجزيرة فسار إلى الجزيرة يوم الخميس للنصف من شعبان سنة 18 في خمسة آلاف وعلى مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي وعلى ميسرته صفوان بن المعطل السلمي — وقيل كان خالد بن الوليد على ميسرته وقيل إن خالداً لم يسر تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة ولزم حمص حتى توفي بها سنة 21 وقيل مات بالمدينة.
-
إجلاء نصارى نجران — 640 م · 20 هـ
عند البلاذري: لما استخلف عمر أصاب أهل نجران الربا وكثروا فخافهم على الإسلام فأجلاهم إلى النجرانية بناحية الكوفة — وبها سُمّيت — واشترى عقاراتهم وأموالهم وكتب لهم أن ما وقعوا به من الشام والعراق فليُوسَعهم من حرث الأرض مكان أرضهم باليمن، ودخل يهود نجران مع النصارى في الصلح فكانوا كالأتباع لهم؛ وفي رواية سالم بن أبي الجعد أن أهل نجران بلغوا أربعين ألفاً فتحاسدوا فأتوا عمر فقالوا «أجلنا» فأجلاهم ثم ندموا وطلبوا الإقالة فأبى، فلما قام علي بن أبي طالب أتوه فقال «إن عمر كان رشيد الأمر وأنا أكره خلافه»؛ ثم توالت عليهم الأحكام: حطّ عنهم عثمان مائتي حلة بكتاب إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة لما أنبأه عثمان بن حنيف أن إجلاءهم كان ضاراً بالدهاقين، وأكملهم معاوية أو يزيد أربعمائة حلة، وردّهم الحجاج بعد خروج ابن الأشعث إلى ألف وثمانمائة حلة متّهماً إياهم بموالاته، وألزمهم عمر بن عبد العزيز مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم لما وجدهم على العشر من عدّتهم الأولى وقال «أرى هذا الصلح جزية على رؤوسهم وليس بصلح على أراضيهم وجزية الميت والمسلم ساقطة»، وردّهم يوسف بن عمر في أيام الوليد بن يزيد إلى أمرهم الأول عصبية للحجاج، وأقرّهم أبو العباس السفاح على مائتي حلة لما نثروا على موكبه الريحان بالكوفة وتوسط لهم عبد الله بن الربيع الحارثي وأيّدهم الحجاج بن أرطاة في نسبهم في بني الحارث بن كعب أخواله، وأكّدها هارون الرشيد بكتاب رآه الرواة وأمر أن يُعفوا من معاملة العمال ويؤدوا إلى بيت المال بالحضرة.
-
صلح نصارى بني تغلب — نحو 640 م · نحو 20 هـ
عند البلاذري بأسانيد متعددة: أراد عمر بن الخطاب أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعد من الأرض وقطعوا الفرات يريدون أرض الروم فقال النعمان بن زرعة — أو زرعة بن النعمان — «أنشدك الله في بني تغلب فإنهم قوم من العرب نائفون من الجزية وهم قوم شديدة فكايتهم فلا يُغن عدوك عليك بهم» فأرسل عمر في طلبهم فردّهم وصالحهم على أن ضاعف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل سائمة وأرض؛ وبسند آخر كتب إليه عمر يأمره أن يضعف عليهم الصدقة وإن أبوا حاربهم حتى يبيدهم أو يسلموا فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة وقالوا «أما إذ لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا»؛ وصالحهم على أن لا يصبغوا صبياً ولا يكرهوه على دينهم — وكان داود بن كردوس يقول ليست لهم ذمة لأنهم قد صبغوا في دينهم يعني المعمودية — وكان علي يقول «لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي: لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذريتهم، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصّروا أولادهم»؛ وبعث عمر زياد بن حدير الأسدي يأخذ منهم نصف عشر أموالهم ناهياً إياه أن يعشر مسلماً أو ذمياً يؤدي الخراج؛ وأمر عثمان أن لا يقبل من بني تغلب في الجزية إلا الذهب والفضة فجاءه الخبر أن عمر أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك؛ وعن الزهري ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بني تغلب؛ وقال سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وأبو حنيفة وأبو يوسف: يؤخذ من التغلبي ضعف ما يؤخذ من المسلم في أرضه وماشيته وماله — فأما الصبي والمعتوه فأهل العراق يرون ضعف الصدقة من أرضه ولا يأخذون من ماشيته شيئاً وقال أهل الحجاز يؤخذ من ماشيته وأرضه — وقالوا جميعاً إن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج لأنه بدل من الجزية.
-
غزوة قبرس الأولى — نحو 648 م · 28 هـ
عند البلاذري عن الواقدي وغيره: غزا معاوية بن أبي سفيان في البحر غزوة قبرس الأولى ولم يركب المسلمون بحر الروم قبلها، وكان معاوية استأذن عمر في غزو البحر فلم يأذن له فلما ولّى عثمان كتب إليه يستأذنه في غزو قبرس ويعلمه قربها وسهولة الأمر فيها فكتب إليه أن قد شهدت ما ردّ عليك عمر حين استأمرته في غزو البحر، فلما دخلت سنة 27 كتب إليه يهوّن عليه ركوب البحر إلى قبرس فكتب إليه عثمان «فإن ركبت البحر ومعك امرأتك فاركبه مأذوناً لك وإلا فلا»، فركب البحر من عكّا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاختة بنت قرظة القرشية وحمل عبادة بن الصامت امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية وذلك في سنة 28؛ فلما نزلوا ساحلها — وهي جزيرة يقال ثمانون فرسخاً في مثلها — بعث إليهم أركونها يطلب الصلح وقد أذعن أهلها فصالحهم على سبعة آلاف ومائتي دينار يؤدونها كل عام، وصالحهم الروم على مثل ذلك فهم يؤدون خرجين، واشترطوا أن لا يمنعهم المسلمون أداء الصلح إلى الروم، واشترط عليهم المسلمون أن لا يقاتلوا عنهم من أرادهم من ورائهم وأن يؤذنوا المسلمين بسير عدوهم من الروم، فكان المسلمون إذا ركبوا البحر لم يعرضوا لهم ولم ينصرهم أهل قبرس ولم ينصروا عليهم؛ وغزا فيها مع معاوية أبو أيوب الأنصاري وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد الأنصاري وعمير بن سعد الأنصاري وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن بشر المازني وشداد بن أوس بن ثابت — وهو ابن أخي حسان بن ثابت — والمقداد وكعب الأحبار وجبير بن نفير الحضرمي؛ وخرجت أم حرام من المركب فقدّمت إليها دابة فعثرت بها فقتلتها فقبرها بقبرس تدعى قبر المرأة الصالحة؛ وصالحهم معاوية بعد صلحاً دائماً على سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين وإنذارهم عدوهم من الروم. وعند السيوطي أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص أن صف لي البحر وراكبه فكتب إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير إن ركد حرق القلوب وإن تحرك أراع العقول فكتب عمر إلى معاوية والله لا أحمل فيه مسلماً أبداً .
-
توحيد المصحف في خلافة عثمان — نحو 650 م · نحو 30 هـ
فزع حذيفة بن اليمان — وهو يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق — من اختلاف القراء في القراءة فقال لعثمان «أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى»، فأرسل عثمان إلى حفصة يستعير الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر، وكلف أربعة — زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام — أن ينسخوها في المصاحف، وأمر القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ثم أرسل إلى كل أفق بمصحف وأمر بما سواه من صحيفة أو مصحف أن يحرق . وفي خبر زيد الملحق أن آية من الأحزاب فقدت حين النسخ فوجدت عند خزيمة بن ثابت .