تُحفظ على هذا الجهاز فقط؛ لا يُرسَل شيء إلى أي مكان.
وَفاء
Wafa' (fulfilment, fiqh)
الوفاء في اللغة ضد الغدر، وهو التمام والأداء وبلوغ الشيء تامّاً، وأوفى الكيل أتمّه؛ والوفاء في الاصطلاح ملازمة طريق المواساة ومحافظة العهود وحفظ مراسم المحبة سراً وعلانية. وقد فسّر العلماء قوله تعالى في سورة المائدة بحفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه، ويستعمل الفقهاء اللفظ بمعنى تسليم المعقود عليه، أو القضاء، أو الأداء. 1
الألفاظ ذات الصلة: الاستيفاء (أخذ الحق وافياً)، والإسقاط (إزالة الملك أو الحق لا إلى مالك ولا إلى مستحق)، والإبراء (إسقاط الحق في ذمة الغير)، وكلها تترتب عليها براءة الذمة، والفرق أن الوفاء يكون ممن عليه الحق والاستيفاء ممن له الحق. 12
الحكم التكليفي: يتنوع الوفاء بحسب المحل. 2 أولاً، ما يجب الوفاء به: العقود إذا تمت مستوفية لشرائطها كتسليم المبيع والثمن والأجرة، والشروط المشروعة، لحديث «المسلمون على شروطهم»، وما خالف كتاب الله فهو باطل، والنذر الطاعة. 2 ثانياً، ما يُستحب الوفاء به: المعروف كالوصية والهبة، لأنها تبرع لا يجبر عليه؛ والوعد المجرد عن حاجة أو سبب مستحب، وإذا دعت الحاجة إليه وجب، كما نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين، والمشهور عند المالكية أن الوعد ملزم ويُقضى به إذا دخل الموعود بسبب الوعد في شيء. 34
ثالثاً، ما يُباح الوفاء به: نذر المباح كالأكل والشرب والنوم، وخلاف الفقهاء في انعقاد نذر المباح. 4 رابعاً، ما يحرم الوفاء به: نذر المعصية باتفاق، لحديث عائشة «من نذر أن يعصيه فلا يعصه»؛ والحلف على فعل محرم أو ترك واجب يُحنث فيه ويُكفَّر ولا يُوفى به؛ والشروط غير المشروعة. 4
من يصح منه الوفاء: التكليف، أي البلوغ والعقل، لأن الوفاء يجب نتيجة التصرفات التي يباشرها الإنسان باختياره، سواء بإرادتين كالبيع أو بإرادة واحدة كاليمين والنذر. 5 ومن أسباب الوفاء ما يتحقق به: التسليم في العقود، والرد عند انقضاء مدة العقد أو فسخه أو استحقاقه، والقيام بالعمل المطلوب كالأجير. 5
التحقق من الوفاء: يتحقق بتسليم المعقود عليه، ومنه في البيع تسليم المبيع والثمن، وبرد المعقود عليه عند انقضاء العقد أو فسخه، وبقيام الأجير بالعمل المطلوب، وبالحوالة إذا استوفت شرائطها. 5
وفاء دين الغير: يصح بإذن المدين أو بغير إذنه باتفاق، وقيّد المالكية ذلك بالرفق بالمدين، فإن أراد الدائن الإضرار منع من ذلك. 6 وفاء دين الميت وضمانه: يصح إذا ترك الميت ما يُوفى منه؛ وإذا كان مفلساً فجمهور الفقهاء يصححون ضمانه ووفاءه، لحديث أبي قتادة في ضمان دين الميت الذي لم يُخلف وفاءً، وعند أبي حنيفة لا تصح الكفالة بدين المفلس الميت، لكن يصح الوفاء تبرعاً. 67
أسباب عدم الوفاء: (أ) المماطلة، وهي ظلم من الغني القادر، لحديث «مطل الغني ظلم»، ويستحق العقوبة، لحديث «لَيُّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته»، وقد اتفق الفقهاء على وجوب اتخاذ وسائل تحمل المدين الموسر على الوفاء، واختلفوا في بعضها. 7 (ب) الإعسار، وإذا ثبت بالبينة خُلّي سبيل المدين ولم يُحبس، لقوله تعالى في سورة البقرة بالإشارة لا بالنص. 7 (ج) الإفلاس، وهو أن يكون الدين أكثر من المال، فيجب على الحاكم عند جمهور الفقهاء تفليسه إذا طلب الغرماء ذلك، وجاز له بيع ماله جبراً. 78
الأولوية في الوفاء: (أ) حقوق الله، ومنها الزكاة ومصارفها الثمانية، وقد اختلف الفقهاء في الترتيب بينها. 8 (ب) الحقوق المتعلقة بالتركة: تقديم تجهيز الميت وتكفينه، ثم أداء الدين، من ديون الله وديون العباد، ثم تنفيذ الوصايا، والباقي للورثة. 8 (ج) الصدقة والوصايا: والأفضل أن يتصدق الإنسان بما فاض عن حاجته ومؤونته ومؤونة من يمونه، لحديث «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وأفضل الصدقة على ذي الرحم، ولهذا قال السرخسي إن ذلك فيه صلة الرحم. 89
الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب، لأنها صدقة وصلة، لحديث «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح». والشافعية يرون الأولى تقديم الأقرب فالأقرب، وأن الأشد عداوة أفضل ليتألف قلبه. 9 وفي الوصايا: الشافعية والحنابلة يرون تقديم الأقرب غير الوارث، فإن لم يوجد فقراء غير وارثين فإلى ذي رضاع، ثم صهر، ثم ذي ولاء، ثم ذي جوار، وعند الحنابلة الجيران الأقرب فالأقرب. 9 والحنفية يرون أن من أوصى لأقربائه فيُفهم منه اثنان فصاعداً من كل ذي رحم محرم غير الوالدين والمولودين، ويُعتبر الأقرب فالأقرب، وقال أبو يوسف ومحمد يكون بينهم أثلاثاً. 9 والمالكية يؤثرون المحتاج الأبعد في القرابة لشدة فقره أو كثرة عياله، بالزيادة على غيره لا بالجميع، ما لم يبيّن الموصي خلاف ذلك. 9