-
المولد: نور الدين محمود بن زنكي — نحو ديسمبر 1117 م · شوال 511 هـ
صاحب حلب ثم الشام، فك عن دمشق حصار الفرنج سنة ثلاث وأربعين وأخوه غازي صاحب الموصل فهزم الفرنج واستمر في قتالهم وأخذ ما استولوا عليه، وكان لا يفتر من الجهاد وملك دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته فبعث إليه المقتفي تقليداً وولاه مصر ولقبه بالملك العادل ، ومات سنة تسع وستين وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبي فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا . وكان أجل ملوك زمانه وأعدلهم وأدينهم وأكثرهم جهاداً، هزم الفرنج غير مرة وافتتح من بلادهم ما يزيد على خمسين حصناً ومن بلاد الروم حصوناً عدة، وأسقط المكوس وبنى المدارس وسور دمشق والمكاتب للأيتام والربط والبيمارستان ودار العدل يجلس فيها أربعة أيام في الأسبوع، وحكى أن رجلاً وقف بازاءه وهو يلعب بالصولجان في ميدان دمشق يدعي عليه حكومة فرمى الصولجان من يده ومضى إلى مجلس القاضي فلما لم يثبت للرجل حق قال فاشهدوا أني قد وهبت الملك له وقد كنت أعلم أنه لا حق له عندي وإنما حضرت لئلا يقال عني إني تطلبت إلى مجلس الشرع فأبيت، قال ابن الأثير طالعت تواريخ الملوك قبل الإسلام وإلى يومنا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة منه ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف، وكان لا يتصرف في شيء يخصه إلا من ملك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار ولم يلبس حريراً قط ولا ذهباً ولا فضة .
-
نور الدين يفك حصار الفرنج عن دمشق — نحو 1148 م · 543 هـ
في سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي وهو صاحب حلب يومئذ وأخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلمون ولله الحمد وهزم الفرنج واستمر نور الدين في قتال الفرنج وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين . وفي شذرات الذهب في ربيع الأول نازلت الفرنج دمشق في عشرة آلاف فارس وستين ألف راجل فخرج المسلمون من دمشق للمصاف واستشهد منهم نحو المائتين ثم بريزوا في اليوم الثاني فاستشهد جماعة وقتل من الفرنج عدد كثير فلما كان في اليوم الخامس وصل غازي الأتابك وأخوه نور الدين في عشرين ألفاً إلى حماة وكان أهل دمشق في الاستغاثة والتضرع إلى الله وأخرجوا المصحف العثماني إلى صحن الجامع وضج الناس والنساء والأطفال فأغاثهم، وركب قسيس الفرنج وفي عنقه صليب وفي يديه صليبان وقال أنا قد وعدني المسيح بأخذ دمشق فاجتمعوا حوله وحمل على الذي حمل عليه المسلمون فقتلوه وقتلوا جماعة وأحرقوا الصلبان ووصلت النجدة فانهزمت الفرنج وأصيب منهم خلق .
-
وقعة صفد وفتح غزة وبانياس وشيزر سنة 552 — نحو 1157 م · 552 هـ
في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة هزم نور الدين الفرنج على صفد وكانت وقعة عظيمة، وأخذ نور الدين من الفرنج غزة وبانياس وملك شيزر من بني منقذ .
-
نور الدين يأخذ حصن صافيتا من الفرنج سنة 561 — نحو 1165 م · 561 هـ
في سنة إحدى وستين وخمسمائة أخذ نور الدين من الفرنج حصن صافيتا .
-
بعثة أسد الدين شيركوه الأولى إلى مصر — نحو 1167 م · 562 هـ
في سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه وقتل من الفرنج ألوفاً ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد وقصد الفرنج الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ابن أخ أسد الدين فحاصروها أربعة شهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام .
-
نور الدين يملك قلعة جعبر — نحو 1168 م · 564 هـ
ملك نور الدين قلعة جعبر، وهي من أمنع القلاع مطلة على الفرات من الجانب الشرقي وكانت بيد شهاب الدين مالك بن علي بن مالك العقلي وآبائه من أيام ملكشاه، وكان سببها أن صاحبها نزل يتصيد فأخذه بنو كلاب وحملوه إلى نور الدين فاعتقله ورغّبه ثم شدّد فأبى التسليم، فحصرها عسكر مقدمه فخر الدين مسعود الزعفرائي ثم أمدهم بعسكر عليه مجد الدين ابن الداية رضيع نور الدين، فسلك ابن الداية طريق اللين وأشار على صاحبها أن يأخذ العوض فقبل وسلّمها فأخذ عنها سروج وأعمالها والملاحة بين حلب وباب بزاعة وعشرين ألف دينار معجلة، وقيل له أيما أحب إليك سروج والشام أم القلعة فقال هذه أكثر مالًا وأما العز ففارقناه بالقلعة، وكان آخر أمر بني مالك بها .
-
دخول شيركوه مصر وقتل شاور وولايته الوزارة — نحو 1168 م · 564 هـ
في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه إلى ديار مصر فملكها بالعساكر النورية، وكان الفرنج قد ملكوا بلبيس قهرًا فقتلوا وأسروا ثم حاصروا القاهرة فأحرق شاور مدينة مصر فبقيت النار فيها أربعة وخمسين يومًا وأرسل العاضد إلى نور الدين يستغيث به بشعور نسائه، وصالح شاور الفرنج على ألف ألف دينار فرحلوا، فلما قدم شيركوه وقتل شاور — على المشهور أنه خرج يستقبله فطعنه صلاح الدين أو قتل بأمره — ولّي الوزارة مكانه وأُخرج له الخلع فلقي الناس بالعدل ولكنه مات بعدها بأيام وقيل بواحدة عظام أكلها فاختنقت به نفسه .
-
حصر نور الدين الكرك — نحو 1169 م · 565 هـ
حصر نور الدين الكرك وهي من أمنع حصون الفرنج بالشام في بلاد مؤاب شرقي البحر الميت، وكانت قاعدتهم العظمى التي يتحصنون بها ويفزعون إليها .
-
حصر الفرنج دمياط سنة ٥٦٤ — نحو أكتوبر 1169 م · صفر 564 هـ
في صفر سنة أربع وستين وخمسمائة نزل الفرنج على دمياط وحصروها، بعد أن كاتب فرنج الشام إخوانهم بصقلية والأندلس يستمدونهم خوفاً من ملك الأتراك مصر على البيت المقدس، فأمدوهم بالأموال والرجال والسلاح؛ فأمدهم صلاح الدين عبر النيل بالعساكر والأموال والذخائر، وشكا إلى نور الدين مخافته أن يخلفه المصريون بالشر إن سار، فسير نور الدين العساكر أرسالاً وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج الشامية فنهبها واستباحها حتى بلغت الغارات ما لم تبلغه من قبل؛ فرجع الفرنج عن دمياط خائبين بعد مقام خمسين يوماً وقد وجدوا بلادهم خراباً، فضرب فيهم المثل «خرجت النعامة تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين»؛ وحكى صلاح الدين أن العاضد أرسل إليه لمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب .
-
ملك نور الدين الموصل وإقراره سيف الدين عليها — نحو 1171 م · 567 هـ
ملك نور الدين الموصل داخلاً إليها وأقرّ عليها سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود، بعد أن جمع إليه أمراءه ونظّم مملكته، ولم يزل نور الدين يضم بلاد الشام والجزيرة مدينة مدينة حتى لم يبق لأحد من الملوك إلا الاسم .
-
قطع الخطبة العبيدية وإقامة الخطبة العباسية بمصر — نحو سبتمبر 1171 م · محرم 567 هـ
قال العماد الكاتب استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه وسير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن أبي عصرون إلى بغداد وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وقال ابن الأثير السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يصغ إلى قوله وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال أنا أبتدىء بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان والعاضد شديد المرض فتوفي في يوم عاشوراء، وفي أيامه ضعف الرفض ببغداد وخطب له باليمن وبرقة وتوزر ومصر إلى أسوان، وصنف ابن الجوزي كتاباً سماه النصر على مصر . وفي شذرات الذهب فمات العاضد عقيب ذلك قيل إنه مات غبناً وأظهر صلاح الدين الحزن عليه وجلس للعزاء ثم تسلم القصر وما حوى وحول أولاد العاضد وخاصته إلى مكان آخر ورتب لهم كفايتهم وكان يوماً مشهوداً .
-
الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنًا — نحو 1172 م · 568 هـ
وقعت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنًا وستراها عن الناس، وسببها أن صلاح الدين عجّل في العود إلى مصر بعد ملكه أيلة والرحيل عن الشام من غير إذن، وتمنّع عن الإعانة بمال مصر، حتى همّ نور الدين بقصد مصر ونزعها من يده .
-
وفاة نور الدين محمود — نحو 1174 م · 569 هـ
توفي نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة بعلة الخوانيق، ودفن بقلعة دمشق ثم نقل إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الخواصين؛ وحكى طبيب كان يخدمه أنه لما اشتد به المرض في بيته الصغير بالقلعة أشار الأطباء بالقصد فقال «ابن ستين لا يقتصد» وامتنع منه فلم ينجع الدواء؛ وكان قبل موته بأيام قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين إذ رأى منه فتوراً في غزو الفرنج، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر للغزاة؛ وقال ابن الأثير: طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحرياً منه للعدل، وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة .
-
الوفاة: نور الدين محمود بن زنكي — نحو 1174 م · 569 هـ
صاحب حلب ثم الشام، فك عن دمشق حصار الفرنج سنة ثلاث وأربعين وأخوه غازي صاحب الموصل فهزم الفرنج واستمر في قتالهم وأخذ ما استولوا عليه، وكان لا يفتر من الجهاد وملك دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته فبعث إليه المقتفي تقليداً وولاه مصر ولقبه بالملك العادل ، ومات سنة تسع وستين وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبي فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا . وكان أجل ملوك زمانه وأعدلهم وأدينهم وأكثرهم جهاداً، هزم الفرنج غير مرة وافتتح من بلادهم ما يزيد على خمسين حصناً ومن بلاد الروم حصوناً عدة، وأسقط المكوس وبنى المدارس وسور دمشق والمكاتب للأيتام والربط والبيمارستان ودار العدل يجلس فيها أربعة أيام في الأسبوع، وحكى أن رجلاً وقف بازاءه وهو يلعب بالصولجان في ميدان دمشق يدعي عليه حكومة فرمى الصولجان من يده ومضى إلى مجلس القاضي فلما لم يثبت للرجل حق قال فاشهدوا أني قد وهبت الملك له وقد كنت أعلم أنه لا حق له عندي وإنما حضرت لئلا يقال عني إني تطلبت إلى مجلس الشرع فأبيت، قال ابن الأثير طالعت تواريخ الملوك قبل الإسلام وإلى يومنا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة منه ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف، وكان لا يتصرف في شيء يخصه إلا من ملك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار ولم يلبس حريراً قط ولا ذهباً ولا فضة .