-
فتح الأنبار وغارة سوق بغداذ — نحو 633 م · نحو 12 هـ†
عند البلاذري: سار خالد إلى الأنبار فتحصن أهلها ثم أتاه من دلّه على سوق بغداذ وهو السوق العتيق الذي كان عند قرن الصراط فبعث خالد المثنى بن حارثة فأغار عليه فملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء وما خف محمله من المتاع ثم باتوا بالسيلحين وأتوا الأنبار وخالد بها فحصروا أهلها وحرقوا في نواحيها وأنما سميت الأنبار لأن أهراء العجم كانت بها وكان أصحاب النعمان وصنائعه يعطون أرزاقهم منها فلما رأى أهل الأنبار ما نزل بهم صالحوا خالداً على شيء رضي بهم فأقرهم. ويقال إن خالداً قدم المثنى إلى بغداذ ثم سار بعده فتولى الغارة عليها وليس ذلك بثبت. وعن الشعبي: لأهل الأنبار عهد وعقد. وحدث البلاذري مشايخ من أهل الأنبار أنهم صولحوا في خلافة عمر على طسوجهم على أربع مائة ألف درهم وألف عباءة قطوانية في كل سنة وتولى الصلح جرير بن عبد الله البجلي ويقال صالحهم على ثمانين ألفاً والله أعلم.
-
حصار بغداد في حرب الأمين والمأمون — نحو 812 م · نحو 196 هـ
دام حصار بغداد خمسة عشر شهراً ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحرافشة، وفسد الحال على الأمين جداً وتلف أمر العسكر ونفدت خزائنه وساءت حال الناس وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي، حتى استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسراً فخرج الأمين بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور . وعند المسعودي بعث الأمين إلى إبراهيم بن المهدي وهو محاصر فوجده في طارمة من عود وصندل مع سليمان بن أبي جعفر وأمامه قدح بلور فيه خمسة أرطال شراب، ودعا بجارية تسمى ضعفاً فغنته كليب لعمري كان أكثر ناصراً فتطير ثم غنت كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس فعثرت بالقدح فكسرته، وسمعوا قائلاً يقول قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ومنشداً ينشد لا تعجبن من العجب، فما قعدوا معه بعدها إلى أن قتل ، وكتب الأمين إلى طاهر أعطني الأمان على نفسي وولدي وأمي وجدتي فقال لا والذي نفسي بيده حتى يضع يده في يدي وينزل على حكمي، وفرق الأمين في قواده المحدثين خمسمائة ألف درهم وقارورة غالية دون قدمائه فشغبوا عليه يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين وأنشدوا قل لأمين الناس في نفسه ما شتت الجند سوى الغالية، وقاتل الأخ أخاه والابن أباه هؤلاء محمدية وهؤلاء مأمونية حتى خربت الديار وعفت الآثار وغلت الأسعار ورثاها الأعمى علي بن أبي طالب
-
حصار بغداد في فتنة المستعين والمعتز — نحو 865 م · 251 هـ
في سنة إحدى وخمسين ومائتين قُتل بغا الصغير ووصيف على يد باغر التركي فاضطرب أمر الموالي بسامراء، ولحق المستعين ببغداد إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فقطع ابن طاهر الميرة عن أهل سامراء ومنع أن يصعد شيء منها من بغداد ولا ينحدر إليها، وأمره المستعين بتحصين بغداد فأقام عليها السور من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء ومن باب قطيعة أم جعفر إلى قصر حميد، وحفر الخنادق حول السورين في الجانبين وعمل مظلات يأوي إليها الفرسان في الحر والمطر، وبلغت النفقة ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، وجعل على باب الشماسية خمس شداخات بعرض الطريق ألبست بصفائح الحديد وشدت بالحبال، وباباً معلقاً يُرسل على من وافى الباب فيقتل من تحته، وعلى الباب الداخر عرادة وعلى الخارج خمس مجانيق كبار أكبرها المسمى الغضبان، وست عرادات ترمى ناحية رقة الشماسية، وعلى باب البردان ثماني عرادات أربعاً في كل ناحية وأربع شداخات، وكذلك على كل باب من أبواب بغداد في الجانبين الشرقي والغربي ، فلما صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقي أُغلقت الأبواب في وجوههم ورُموا بالسهام والمنجنيقات والعرادات فقتل من الفريقين مقتل وجرح جماعة كثيرة ولم يزالوا كذلك إلى العصر ، ودامت الحرب بين أهل بغداد وعسكر سامراء حتى خلع المستعين نفسه وبويع المعتز يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين، ونُقل المستعين إلى قصر الحسن بن سهل بالمخرم وأُخذت منه القضيب والخاتم .
-
قسمة المملكة بين المفوض والموفق — نحو أغسطس 875 م · شوال 261 هـ
في سنة إحدى وستين ومائتين جلس المعتمد في دار العامة لثنتي عشرة مضت من شوال فولّى جعفرًا ابنه العهد وسماه المفوض إلى الله ثانيًا، وولّاه المغرب وضم إليه موسى بن بغا وولاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان؛ وولّى أبا أحمد أخاه العهد بالتالي وجعله ثالثًا وولّاه المشرق وضم إليه سرور البلخي وولّاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن ومكة والبصرة وكرخ دجلة والأهواز وأصبهان وفارس والكرج والري وزنجان وقزوين وخراسان وطبرستان وجرجان وسجستان والسند، وعقد لكل واحد منهما لواءين أسود وأبيض، وشرط أن حدث به حدث أو بجعفر لم يكن الأمر إلا لأبي أحمد ثم لجعفر، وأُخذت البيعة على الناس بذلك وأُمرت سُدق الكتاب بذلك وبعثت نسخة مع الحسن بن الحسن بن أبي الشوارب ليعلقها في الكعبة .
-
تولية عمرو بن الليث ما وراء نهر بلخ — نحو يناير 898 م · محرم 285 هـ
لسبع بقين من المحرم سنة خمس وثمانين ومائتين قُرئ على جماعة من حاج خراسان في دار المعتضد كتاب بتولية عمرو بن الليث الصفار ما وراء نهر بلخ من بلاد ما وراء النهر وعزل أحمد بن إسماعيل .
-
إظهار ولاية عهد القائم بأمر الله ٤٢١ — نحو أبريل 1030 م · جمادى الأولى 421 هـ
لما أرجف الناس بمرض الخليفة القادر عقد مجلسًا عامًّا يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة ٤٢١ فتكلم الناظر التركي أبو الغنائم مادحًا الاختيار للأمير أبي جعفر، فقال القادر «إذا كان الله قد أذن في ذلك فقد أذنا فيه» وجلس أبو جعفر على السرير؛ ويوم الجمعة لسبع بقين من الشهر خُطب له بلقب «القائم بأمر الله ولي عهد المسلمين» وثُبت على السكة والورق، وجاء كتاب جلال الدولة ثاني عشر جمادى الأولى يستأذن في إجراء ولاية العهد فقُرئ على الناس يوم الثلاثاء ببيت الموكب بمقدمة مفصلة ثم توقيع الخليفة .
-
موتان الجدري والوباء ٤٢٢–٤٢٥ — نحو 1031 م · 422 هـ
تتابع الموتان أربع سنين: ففي ٤٢٢ تأخر المطر فنشفت الأبدان وكثرت النازلات والسعال حتى روج بيع الحساء؛ وفي ٤٢٣ عمّ الوباء الهند وغزنة وخراسان وجرجان والري، ودفن بأصبهان في أيام قليلة أربعون ألفًا، وببلد الجبل، ومات بالموصل أربعة آلاف صبي بالجدري، وعمّ بغداد الجدري من نيسان إلى تشرين فلم يسلم بيت؛ وفي ٤٢٤ حصل الجدري للخليفة نفسه حين دخل الحمام فأُقيم؛ وفي ٤٢٥ كثر الموت لا سيما في النساء بالهوانق، وقيل في ذي الحجة مات ببغداد سبعون ألفًا .
-
وفاة القادر وبيعة القائم بأمر الله ٤٢٢ — نحو نوفمبر 1031 م · 11 ذو الحجة 422 هـ
مات الخليفة القادر بالله ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة ٤٢٢ وله ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وإحدى وعشرون يومًا، وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر — ولم يبلغها خليفة قبله. أُغلقت الأبواب، ثم خرج القائم بأمر الله وقت العصر فصلى بالناس المغرب ثم صلى على أبيه أربع تكبيرات، وجلس بدار الشجرة في قميص ورداء فبايعه الناس وأولهم الشريف المرتضى، وجاء أبو أحمد الحسن بن عيسى بن المقتدر في الغد فبايع؛ وشغب الأتراك على مال البيعة فقتل هاشميٌّ تركيًّا فخرج توقيع الخليفة في ذلك، واستقر أن تكلف البيعة ثلاثة آلاف ألف دينار؛ ومن أدبه المشهور أنه عرض خانًا وبستانًا وركامًا للبيع ليدفعها. ولقّب الوزراء والحجاب ورتب الدولة .
-
أسر الغلمان لجلال الدولة وإهانتهم ٤٢٤ — نحو أغسطس 1033 م · رمضان 424 هـ
في رمضان سنة ٤٢٤ اجتمع الغلمان عند مسجد القهرمانة يشكون، فوجد بعضهم باب بستان دار المملكة مفتوحًا فدخلوا، وخرج الملك يقول تعالوا أسمع كلامكم فأمسكوه وسحبوه إلى دجلة وأركبوه سميرية كادت تغرق وهم يهزؤون به، ثم أوقفوه في الشمس وحبسوه في مسجد ثم نقلوه إلى دار المحلبية؛ ونجّده القاعد أبو الوفاء بنحو عشرين غلامًا فعبر إلى الكرخ إلى دار جميل للشريف المرتضى؛ وكتب الغلمان إليه «نحن عبيدك ومماليكك ملّكناك أمورنا ابتداء» فتلطّف بهم، واستمال صغار الأمراء ليلًا فجاؤوا إلى دار المرتضى يقبّلون الأرض ويعتذرون وأركبوه وقالوا جلال الدولة ملكنا ونحن جنده، وقبل وزيرًا أبا القاسم .
-
فتنة لقب شاهنشاه الأعظم ملك الملوك — نحو أغسطس 1038 م · رمضان 429 هـ
في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة استُقرئ في إضافة «شاهنشاه الأعظم ملك الملوك» إلى ألقاب جلال الدولة، فأمر الخليفة بأن يُخطب له بها، فأنكر العامة ورموا الخطيب بالآجر ووقعت فتنة. وكتب الخليفة إلى الفقهاء، فأجاز أبو عبد الله الصيمري الحنفي إطلاقها لجواز تفاضل الملوك، وأجاز أبو الطيب الطبري على قياس «قاضي القضاة»، وكتب التميمي نحو ذلك، وامتنع قاضي القضاة الماوردي من الجواز فانقطع عن خدمة جلال الدولة، ثم استدعاه الملك بكرة يوم العيد على وجل فقال له: إني لأتحقق أنك لو حابيت أحدًا لحابيتني، وما حملك على مخالفتي إلا الدين وقد قرّبك ذلك مني وزاد محلك في قلبي .
-
موت أبي كاليجار واستخلاف الملك الرحيم — نحو أكتوبر 1048 م · رمضان 440 هـ
مرض الملك أبو كاليجار في جمادى الأولى سنة أربعين وأربعمائة ففُصد ثلاث مرات وهو في برية وحمّ، ثم ركب المهدّ فشق عليه فعملت له محفة على أعذاق الرجال، وقضى في ليلة الخميس برمضان؛ فانتهب الغلمان الخزائن والسلاح والكراع، وأحرقت الجواري الخيام وتركنها وهو فيها مسجّى. وولي مكانه ابنه أبو نصر وسُمّي الملك الرحيم، فركب من معسكره إلى دار الخلافة حتى فرغ من صحن السلام في الموضع الذي نزل فيه عضد الدولة ومن بعده، فوصل إلى حضرة الخليفة فقبّل الأرض وأُجلس على كرسي، وأُلبس السبع الكاملة والعمامة السوداء الرصافية والطوق والسيفين بجزابل ووُضع على رأسه التاج المرصع وبُرزت له رايتان معقودتان، وقُرئ عليه كتاب التقليد والتلقيب ووُصّي بتقوى الله والعدل في الرعية، وأُهدي إليه فرس أدهم بمركب ذهب، فنزل الطيار الخلاقي وصعد منه إلى مضربه وجلس على سدته يخدمه الناس ويهنّونه . كان أبو كاليجار قد ولد بالبصرة في شوال سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وتوفي وله أربعون سنة وأشهر، وولي العراق أربع سنين وشهرين، ونُهبت قلعة له كان فيها ما يزيد على ألف ألف دينار .
-
وقعة البساسيري والخطبة للمستنصر العبيدي ببغداد — نحو 1058 م · 450 هـ
عظم أمر أرسلان التركي البساسيري ودعي له على المنابر وجبى الأموال ولم يكن القائم يقطع أمراً دونه ثم صح عنده سوء عقيدته وبلغه أنه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة فكاتب القائم طغرل بك وهو بالري يستنهضه في القدوم فقدم في سنة سبع وأربعين وذهب البساسيري إلى الرحبة وكاتب صاحب مصر فأمده بالأموال وكاتب ينال أخا طغرل بك وأطمعه بمنصب أخيه فاشتغل به طغرل بك ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور وزيد في الأذان حي على خير العمل ودام القتال شهراً ثم قبض على الخليفة في ذي الحجة وسيره إلى عانة فحبسه بها وروي أن الخليفة كتب قصة نفذها إلى مكة فعلقت في الكعبة فيها إلى الله العظيم من المسكين عبده ثم ظفر طغرل بك بأخيه وقتله وكاتب متولي عانة في رد الخليفة إلى داره مكرماً فحصل في مقر عزه في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وجهز طغرل بك جيشاً فظفروا بالبساسيري فقتل وحمل رأسه إلى بغداد . وآوى أمير العرب هارش بن المجلى العقيلي صاحب الحديثة الخليفة القائم سنة كاملة حتى جاء طغرلك وقتل البساسيري منتصف ذي الحجة وعاد القائم إلى بغداد في مثل اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل وكان ذلك من غريب الاتفاق . ويوثق ابن الجوزي فزع بغداد المشهود: طارت على دار الخليفة ليلة الهلع نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحاً من عجب، وقطع الكندري وربيبه أنوشروان الجسر وراءهما فارّين إلى الجانب الغربي فانتُهبت دارهما، ونزل قريش بن بدران في نحو مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، ودخل البساسيري بغداد وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها الإمام المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق وأطمعهم في نهب دار الخلافة والناس في ضر ومجاعة . ثم إن طغرل بك لما قدم أعاد الخليفة إلى دار الخلافة مكرماً، وخرج البساسيري إلى الكوفة فقتله عسكر السلطان يوم الخميس منتصف ذي الحجة سنة ٤٥١ ووُجد في جيبه خمسة دنانير، وحُمل رأسه إلى بغداد فطيف به على قناة وصُلب بباب النوبي، وأُحرقت الكرخ يومئذ إحراقاً لم يسلم منه دار الكتب، ووقع ذلك يوم الثلاثاء الذي كان قد دخل فيه بغداد أول مرة .
-
تقليد الخليفة القائم طغربك ملك المشرق والمغرب — يناير 1058 م · ذو القعدة 449 هـ
في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمائة لقي السلطان طغربك الخليفة القائم بأمر الله في لقاء تقرّر كونه بعد مشاورات؛ جلس رئيس الرؤساء في صدر رواق صحن السلام وبين يديه الحجاب، وكتب إلى السلطان بإذن أمير المؤمنين في الحضور، فنزل في الطيار ومعه سميريات وعلى الظهر فيلان، ودخل الدار والأمراء يمشون بين يديه ونحو خمسمائة غلام ترك، حتى وصل إلى باب دهنيز صحن السلام. ودخل على أمير المؤمنين وهو على سرير عالٍ من الإبريسم نحو سبعة أذرع، عليه قيمس وعمامة مصمتان، وعلى منكبه بردة النبي وبيده القضيب؛ فلما شاهده السلطان قبّل الأرض دفعات، وأمره الخليفة أن يصعد إلى سرير لطيف دون ذلك السرير ومعه ابن منصور الكندري، ثم طرح كرسي فجلس عليه السلطان. وقال له أمير المؤمنين على لسان رئيس الرؤساء: يا علي، أمير المؤمنين حامد لسعيك شاكر لفضلك، قد ولاّك جميع ما ولاّه الله من بلاده وردّ إليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاّك واجتهد في عمارة البلاد وصلاح العباد ونشر العدل وكف الظلم — فسّر له عميد الملك القول فقام وقبّل الأرض وقال: أنا خادم أمير المؤمنين وعبده ومتصرّف على أمره ونهيه. فأُلبس سبع خلع في زي واحد وترك التاج على رأسه وعاد يمشي بين يدي أمير المؤمنين، وأخرج أمير المؤمنين سيفًا من بين يديه فقلّده إياه وخاطبه بـ«ملك المشرق والمغرب»، واستدعى الألوية — ثلاثة، اثنان خُمريّان بكتائب صفر وآخر بكتائب مذهّبة سُمّي لواء الحمد — فعقد أمير المؤمنين لواء الحمد بيده، وأُحضر العهد فقُرئ عليه، ودفعه إليه منصور بن أحمد نائب الخليفة لديه. وسأل السلطان مصافحة اليد الشريفة فأعطاه أمير المؤمنين يده مرتين يقبّلها ويضعها على عينيه، وخرج والخلع والألوية أمامه فرفعت فوق صحن السلام وحُطّت على روشن بيت النوبة ثم إلى الطيار .
-
عودة القائم من الحديثة إلى بغداد — يناير 1060 م · 25 ذو القعدة 451 هـ
في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة استرد الخليفة القائم بأمر الله عاصمته بعد سنة كاملة من ملك البساسيري لبغداد: كان مضيفه مهارش العقيلي صاحب الحديثة قد وفى له ورفض طلب قريش بن بدران إخراجه، فلما وصل طغربك بغداد وأرسل عميد الملك في ثلاثمائة غلام بأربع عشرة بختية عليها السرادق والفروش وستة بغال عليها الثياب وبغل عليه مهد مسجّف وثلاثة أفراس بالمراكب الذهب، نقله ابن فورك من الحديثة إلى قلعة تل عكبرا ثم إلى سرادق النهروان. فلما وقعت عين السلطان على السرادق نزل عن فرسه ومشى إليه ودخل فقبّل الأرض سبع مرات، وأخرج الخليفة من قبائه جبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه واثنتي عشرة حبة لؤلؤ كبارًا فطرحها بين يديه وأرسلت أرسلان خاتون تسأل أن تسبح بها سبحة. واعتذر طغربك عن تأخره بعصيان أخيه إبراهيم الذي خنقه بوتر قوسه، وقال: أنا إن شاء الله أمضي وراء هذا الكلب — يعني البساسيري — فأقتنصه وأرم إلى الشام وأفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء فعله هنا؛ فقلّده الخليفة بيده سيفًا كان إلى جنبه وقال إنه لم يُسلم معه وقت خروجه غير هذا السيف فقد تبرّك به وشرّفه بتقليده. ودخل الخليفة البلد يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، وتقدّم السلطان إلى باب النوبي وقعد مكان الحاجب على دكته حتى ورد الخليفة والعسكر محتفون به، ولم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة وثلاثة أنفس من الشهود لهرب الناس . واتفق أن خروج الخليفة من داره كان يوم الثلاثاء ثامن عشر كانون الثاني ومقتل البساسيري يوم الثلاثاء ثامن عشر كانون الثاني من السنة الآتية، وهذا من الاتفاقات الظريفة .