هل تجوز الصغائر على الأنبياء؟

Can prophets commit minor sins?

مسألة عصمة الأنبياء من صغائر الذنوب كما يعرضها القاضي عياض في «الشفا»: يحكي إجماع المسلمين على عصمتهم من الكبائر والفواحش وكتمان الرسالة، ثم ثلاثة أقوال في الصغائر: الجواز عند جماعة من السلف وغيرهم منهم الطبري، والوقف عند طائفة، والعصمة منها عند طائفة من المحققين، وهو القول الذي ينصره عياض.

العمق

نظرة سريعة

خلافي: تتضمن هذه المادة مسائل يختلف فيها العلماء. تُنسب آراء الشيخ إليه، وتُعلَّم الآراء الأخرى حيث لا يوجد مصدر مستشهد به بعد.

العقيدةالأنبياء

الجواب المختصر

يحكي القاضي عياض في الشفا إجماع المسلمين على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات، ومن كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ، ثم يحكي في الصغائر ثلاثة أقوال: الجواز، والوقف، والعصمة، ويختار الأخير. 1

موضع الإجماع

ينقل عياض أن مستند الجمهور في العصمة من الكبائر الإجماع، وهو مذهب القاضي أبي بكر، وأن غيره منعها بدليل النقل مع الإجماع، واختاره الأستاذ أبو إسحاق. 1 ويقرر أنه لا يختلف القولان في أنهم معصومون من تكرار الصغائر وكثرتها، ومن صغيرة تُذهب الحشمة وتُسقط المروءة، لأن ذلك يحط منصب المتسمّي به وينفّر القلوب عنه. 2

القول الأول: العصمة من الصغائر

ذهبت طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، واحتجوا باختلاف الناس في تعيين الصغائر، وبقول ابن عباس وغيره إن كل ما عُصي الله به فهو كبيرة، وإنما سُمي بعضها صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر منه. 1 واستدل بعض الأئمة بوجوب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ: فلو جازت عليه الصغائر لم يتميز في أفعاله ما يُقصد به القربة مما هو معصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية؛ ويضيف عياض أن الصحابة كانوا يقتدون بأفعاله كيفما توجهت، فنبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه وخلعوا نعالهم حين خلع نعله. 2 3 وهذا القول هو الذي ينصره عياض، وقد عقد فصلاً «في الرد على من أجاز عليهم الصغائر». 4

القول الثاني: الجواز

يحكي عياض أن جماعة من السلف وغيرهم جوّزوا الصغائر على الأنبياء، وأنه مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. 1 واحتجوا بظواهر من القرآن والحديث: آيات مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر، والأمر بالاستغفار، وما قُصّ من أخبار آدم ويونس وداود وموسى، ودعاء النبي بالمغفرة، وذكر الأنبياء ذنوبهم في حديث الشفاعة. 5 6

القول الثالث: الوقف

وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، فقالوا إن العقل لا يحيل وقوعها منهم، ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين. 1

جواب عياض عن أدلة المجوّزين

يرى عياض أن ظواهر المجوّزين لو التُزمت لأفضت إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وأن كل ما احتجوا به قد اختلف المفسرون في معناه، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعاً وجب المصير إلى غيره. 5 ثم يعرض في آية مغفرة ما تقدم وما تأخر أقوال المفسرين: أنه ما كان قبل النبوة وبعدها، أو ما وقع وما لم يقع، أو ما قبل النبوة والعصمة بعدها، أو أن المراد أمته، أو ما كان عن سهو وتأويل، وهو ما حكاه الطبري واختاره القشيري. 6

للزوار الصغار

يتفق المسلمون على أن الأنبياء لا يرتكبون الذنوب الكبيرة. واختلف العلماء في الأخطاء الصغيرة: بعضهم قال قد تقع، وبعضهم قال لا نعرف، والقاضي عياض قال إن الله حفظهم منها أيضاً.

ملاحظات للباحثين
  • الأقوال الثلاثة كلها داخل الإطار السني، وكلها هنا كما يحكيها عياض؛ لم يُضف بعد رأي أكاديمي ولا مواقف المذاهب الأخرى (كالقول الإمامي بالعصمة المطلقة) من مصادرها، وكذلك نصوص الطبري نفسه.

عند الرازي في «مفاتيح الغيب»

في تفسير البقرة: 36 يضبط فخر الدين الرازي الخلاف في عصمة الأنبياء في أربعة أبواب: الاعتقاد، والتبليغ، والأحكام والفتيا، والأفعال والسيرة. 7 فينقل أن اعتقاد الكفر غير جائز عليهم عند أكثر الأمة، وأن الأمة أجمعت على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمدًا، وجوّزه بعضهم سهوًا، وأجمعوا على امتناع الخطأ عمدًا في الفتيا واختلفوا في السهو. 7 وفي الأفعال يحكي خمسة أقوال: تجويز الكبائر عمدًا وينسبه إلى الحشوية، وتجويز الصغائر عمدًا إلا ما ينفّر وينسبه إلى أكثر المعتزلة، وامتناعهما عمدًا مع جوازهما على جهة التأويل وهو قول الجبائي، وأنها لا تقع إلا سهوًا وخطأ ويؤاخذون بها، وامتناع الذنب مطلقًا وينسبه إلى «الرافضة»، وهي تسميته للإمامية؛ ويحكي في وقت العصمة ثلاثة أقوال، منها أنها وقت النبوة لا قبلها، وهو قول أكثر أصحابه. 8 ثم يختار أنه لم يصدر عنهم ذنب حال النبوة البتة، ويسوق لذلك ستة عشر وجهًا، ويحمل ما احتج به المخالف من قصة آدم وغيرها على ترك الأولى. 8 9 10 11

الآراء في المسألة

المسألة: حدود عصمة الأنبياء: هل تشمل الصغائر أم تقتصر على الكبائر وما يخل بالتبليغ؟

الرأي الأول · أهل السنة (إطار المتحف)المرجع الأساسي

معصومون من الصغائر كعصمتهم من الكبائر

قول طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين، واحتجوا باختلاف الناس في تعيين الصغائر، وبقول ابن عباس وغيره إن كل ما عُصي الله به فهو كبير، وبوجوب الاقتداء بأفعال الأنبياء، إذ لو جازت عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم؛ وهو اختيار القاضي عياض، وقد عقد فصلاً للرد على المجوزين وتأوّل ظواهر الآيات والأحاديث التي احتجوا بها.

ممن قال به: القاضي عياض

المستند: الشفا بتعريف حقوق المصطفى القسم الثالث، فصل الأعمال بالجوارح وفصل الرد على من أجاز عليهم الصغائر، ص527–540 (PDF)

آراء أخرى (3)

أهل السنة (إطار المتحف)المرجع الأساسي

تجوز عليهم الصغائر

يحكي عياض أن جماعة من السلف وغيرهم جوّزوا الصغائر على الأنبياء، وأنه مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، واحتجوا بظواهر من القرآن والحديث كآيات مغفرة الذنب واستغفار الأنبياء وذكرهم ذنوبهم في حديث الشفاعة.

ممن قال به: الطبري

المستند: الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص527، 538–540 (PDF)

أهل السنة (إطار المتحف)رأي ثانوي

التوقف

يذكر عياض أن طائفة ذهبت إلى الوقف، وقالوا إن العقل لا يحيل وقوع الصغائر منهم ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين.

المستند: الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص527 (PDF)

أهل السنة (إطار المتحف)رأي ثانوي

لا يصدر عنهم ذنب حال النبوة البتة، لا كبيرة ولا صغيرة

يختار فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» أنه لم يصدر عن الأنبياء ذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، ويقرر أن الذنب قبل النبوة جائز عند أكثر أصحابه؛ ويستدل بستة عشر وجهًا، منها أنهم لو أذنبوا لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة، ولما قُبلت شهادتهم، ولوجب الاقتداء بهم في المعصية؛ ويحمل ما احتج به المخالف من القرآن على ترك الأولى. {cite:mafatih-al-ghayb-dar-al-fikr-1401-j3 p.8} {cite:mafatih-al-ghayb-dar-al-fikr-1401-j3 p.9} {cite:mafatih-al-ghayb-dar-al-fikr-1401-j3 p.10} {cite:mafatih-al-ghayb-dar-al-fikr-1401-j3 p.11}

ممن قال به: فخر الدين الرازي

الصلات

استكشف الصلات

موضوع
الشفا بتعريف حقوق المصطفى· التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)

قد يهمك أيضًا

الصلاة على النبي· إعجاز القرآن· محبة النبي· سبّ الصحابة· محمد· الشفا بتعريف حقوق المصطفى· مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء· نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

المصادر

  1. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.527
  2. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.528
  3. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.529
  4. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.538
  5. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.539
  6. اليحصبي, عياض بن موسى. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت. , p.540
  7. الرازي, فخر الدين محمد بن عمر. (1981). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. , p.7
  8. الرازي, فخر الدين محمد بن عمر. (1981). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. , p.8
  9. الرازي, فخر الدين محمد بن عمر. (1981). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. , p.9
  10. الرازي, فخر الدين محمد بن عمر. (1981). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. , p.10
  11. الرازي, فخر الدين محمد بن عمر. (1981). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. , p.11
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «هل تجوز الصغائر على الأنبياء؟». islam.museum، https://islam.museum/ar/questions/can-prophets-commit-minor-sins/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-11-04.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · ساهم في إكماله · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

الصلاة على النبي

الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، كما يشرحه أحمد عبد السلام في برنامج «أصلّي عليه»: معنى الصلاة عنده أن يكثر الله الثناء على نبيه عند الملائكة ويكثر رحماته به، ومعنى السلام أن يسلّمه في حياته وبعد موته ويسلّم دينه، ومعنى البركة أن يجعل أعمال الأمة في ميزان حسناته؛ ويعدّها واجبة على من سمع اسمه، ويذكر في فضلها أن الله يصلي على المصلي عشرًا، ويكفيه همه ويغفر ذنبه، وأن أولى الناس بالنبي يوم القيامة أكثرهم عليه صلاة.