الاعتصام

Holding fast (i'tisam)

المنزلة التاسعة من منازل السالكين في مدارج السالكين لابن قيم الجوزية؛ يقسمها إلى اعتصام بحبل الله يعصم من الضلالة ويوجب الهداية واتباع الدليل، واعتصام بالله يعصم من الهلكة ويكون بالتوكل عليه والاحتماء به، ويشرح درجات الهروي الثلاث فيه ويخالفه في جعل الفناء غايتها.

العمق

نظرة سريعة

العصر
الحروب الصليبية والأيوبيون والمماليك
الإقليم
عالمي / الشتات

الروحانية والتصوفالأخلاق والسلوك

موجز

«الاعتصام» المنزلة التاسعة من المنازل في مدارج السالكين، يقول ابن القيم إن القلب ينزلها بعد ما سبقها من المنازل، وإنها نوعان: اعتصام بالله واعتصام بحبل الله، ويستشهد لهما بآيتي آل عمران 103 والحج 78. 1

المعنى في اللغة

يشرح ابن القيم أن الاعتصام افتعال من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف؛ فالعصمة الحمية، والاعتصام الاحتماء، ومنه سميت القلاع «العواصم» لمنعها وحمايتها. 1

مدار السعادة على العصمتين

يرى ابن القيم أن مدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، وأنه لا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين: فالاعتصام بحبله يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة. ويمثل لذلك بالمسافر إلى مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق، ومحتاج إلى العدة والسلاح التي يسلم بها من قطاع الطريق. 1 فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح. 2

أقوال السلف في «حبل الله»

يجمع ابن القيم عبارات السلف في معنى حبل الله، ويقول إنها اختلفت بعد إشارتها كلها إلى المعنى نفسه: فعن ابن عباس أنه التمسك بدين الله، وعن ابن مسعود أنه الجماعة، وعن مجاهد وعطاء أنه عهد الله، وعن قتادة والسدي وكثير من المفسرين أنه القرآن، وعن مقاتل أنه أمر الله وطاعته. ويورد في ذلك أحاديث، يذكر محقق الطبعة في الحاشية أن بعضها ضعيف الإسناد، ومنها حديث الموطأ ومسلم في أن الله يرضى للناس أن يعتصموا بحبله جميعاً. 2

تعريف الهروي ومراقبة الأمر

ينقل ابن القيم تعريف الهروي في منازل السائرين: الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته مراقباً لأمره. 2 ويفسر ابن القيم «مراقبة الأمر» بأن يقوم العبد بالطاعة لأن الله أمر بها وأحبها، لا لمجرد العادة ولا لباعث آخر، ويستشهد بقول طلق بن حبيب في التقوى، ويرى أن هذا هو «الإيمان والاحتساب» الوارد في حديث صيام رمضان وقيام ليلة القدر، وأن الاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل. 3

الاعتصام بالله

يعرّف ابن القيم الاعتصام بالله بأنه التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويعصمه، ويرى أن ثمرته دفع الله عن عبده المؤمن الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه، بحسب قوة اعتصامه به. 3 ثم ينقل قول الهروي إن الاعتصام بالله «الترقي عن كل موهوم»، ويشرح أن الموهوم عنده ما سوى الله، وأنها إشارة إلى الفناء؛ ويقرر أن الكمال الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته، ويذكر أن القائل بالاتحاد يفسر العبارة بالصعود عن وجود ما سواه حتى لا يرى لغيره وجوداً، وهذا عنده تفسير باطل يحكيه ليفرق بينه وبين مراد الهروي. 3 4 ويلاحظ المحقق في الحاشية أن في نسخة المنازل زيادة لم يشرحها ابن القيم. 3

درجات الاعتصام الثلاث

  • اعتصام العامة: بالخبر استسلاماً وإذعاناً، بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي، وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف. ويرد ابن القيم هنا طريقة من يعمل بالأمر والنهي احتياطاً على وجه الشك، ويفسر الإنصاف بأن يعطي العبد العبودية حقها فلا ينازع ربه صفات العظمة والكبرياء، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. ويعقّب بأن ما سماه الهروي اعتصام العامة هو في الحقيقة اعتصام خاصة الخاصة، وأن الهروي ممن «رفع له علم الفناء فشمر إليه». 4
  • اعتصام الخاصة: بالانقطاع، وهو صون الإرادة قبضاً، وإسبال الخلق على الخلق بسطاً، ورفض العلائق عزماً. ويستشهد ابن القيم بقول أبي يزيد «أريد أن لا أريد»، وبقول أبي بكر الكتاني إن التصوف خلق، ويقرر أن الأصل قطع علائق الباطن، فالمال في اليد لا في القلب لا يضر ولو كثر، ويروي في ذلك قولي أحمد وسفيان الثوري في زهد صاحب المال؛ ويرى أن قطع العلائق الظاهرة يحمد في موضعين: حيث يخاف منها ضرر في الدين، أو حيث لا مصلحة راجحة فيها. 5
  • اعتصام خاصة الخاصة: بالاتصال، وهو عند الهروي شهود الحق تفريداً بعد «الاستحذاء» له تعظيماً والاشتغال به قرباً. ويفسر ابن القيم «الاستحذاء» بالمقابلة التامة، ومراده القرب وارتفاع الوسائط، ويستشهد بأحاديث القرب في السجود وجوف الليل. 6 7 وفي الحاشية تعليق منقول عن رشيد رضا بأن هذا المعنى غير معروف في المعاجم وأن الكلمة لعلها «الاستخذاء» بالخاء بمعنى الخضوع، يليه تعليق موقّع باسم «الفقي». 6

الفناء في المراد لا في المريد

يجعل ابن القيم هذا الموضع مدخلاً لتمييزه المعروف بين الفناء عن شهود السوى، وهو عنده متوسط، والفناء عن إرادة السوى، وهو الأعلى، حيث يتحد مراد العبد بمراد الرب الديني الشرعي، فيسميه «الاتحاد الصحيح»، أي الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة، ويحذر من أن هذا موضع «طالما زلت فيه أقدام السالكين». 7 ويختم المنزلة بأن «الاشتغال به قرباً» معناه أن يشغله قرب الحق عن كل ما سواه، كما لا يشتغل القريب من السلطان المقبل عليه بشيء سواه. 8

ما لم يُذكر هنا

لم يُضف بعد متن الهروي من منازل السائرين نفسه، ولا شروح المنازل الأخرى، ولا تخريج الأحاديث المذكورة من مصادرها الأصلية.

الصلات

استكشف الصلات

جزء من
المقامات والأحوال
ذو صلة بـ
التوكل· الفناء (في اصطلاح الصوفية)

قد يهمك أيضًا

الفرار إلى الله· التصوف· الحزن· الإخبات· الإنابة· الرعاية· الرياضة· اليقظة

المصادر

  1. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 379
  2. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 380
  3. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 381
  4. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 382
  5. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 383
  6. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 384
  7. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 385
  8. ابن قيم الجوزية, أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. (2001). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الجزء الأول. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة. , p. 386
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «الاعتصام». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/itisam/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-11-04.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · ساهم في إكماله · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

الفرار إلى الله

المنزلة العاشرة من منازل السالكين في مدارج السالكين لابن قيم الجوزية، مأخوذة من آية الذاريات؛ حقيقتها الهرب من شيء إلى شيء، وهي فرار السعداء إلى الله وفرار الأشقياء منه، ويشرح ابن القيم درجاتها الثلاث عند الهروي: فرار العامة من الجهل والكسل والضيق، وفرار الخاصة من الخبر إلى الشهود ومن الرسوم إلى الأصول ومن الحظوظ إلى التجريد، وفرار خاصة الخاصة الذي يخالفه في جعله غاية.