الإخلاص

Sincerity (ikhlas)

تخليص العمل من كل شائبة حتى لا يبقى فيه باعث سوى التقرب إلى الله، كما يعرّفه الغزالي في كتاب النية والإخلاص والصدق من إحياء علوم الدين، ويرتب الآفات التي تكدّره من الرياء الجلي إلى أخفى خطرات النفس 1 2.

العمق

نظرة سريعة

العصر
عصر البويهيين والفاطميين والسلاجقة
الإقليم
عالمي / الشتات

الروحانية والتصوفالأخلاق والسلوك

موجز

الإخلاص عند الغزالي أن يُخلَّص العمل من الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب إلى الله فلا يكون فيه باعث سواه. 1 وقد عقد له الباب الثاني من كتاب النية والإخلاص والصدق في ربع المنجيات من إحياء علوم الدين، فذكر فضيلته وحقيقته وأقوال الشيوخ فيه ودرجات الآفات التي تكدّره وحكم العمل المشوب. 3

الفضيلة كما يعرضها الإحياء

يفتتح الغزالي الباب بآيات في إخلاص الدين لله، ثم بأخبار منها حديث «ثلاث لا يغلّ عليهن قلب رجل مسلم» وأوّلها إخلاص العمل لله، ويذكر العراقي في الحاشية أن الترمذي أخرجه وصححه من حديث النعمان بن بشير. 4 5 ويورد خبراً عن الحسن مرسلاً أن الإخلاص «سرّ من سري»، ويقول العراقي إنه روي مسلسلاً من طريق أحمد بن عطاء الهجيمي وعبد الواحد بن زيد، «وكلاهما متروك»، وإن القشيري رواه في الرسالة بسند ضعيف. 4 6 ويذكر حديث الثلاثة الذين يُسألون أولاً يوم القيامة: عالم وجواد ومقاتل، عمل كلٌّ منهم ليقال عنه ذلك. 7

الحقيقة: الصفاء من الشوب

يشبّه الغزالي الإخلاص بخلوص اللبن الذي لا يكون فيه شوب من الدم والفرث، ويقول إن ضدّه الإشراك، وإن الشرك درجات منه خفي ومنه جلي، وإن محل الإخلاص القلب لأنه يرجع إلى القصود والنيات. 8 ويلاحظ أن اللفظ يصدق في اللغة على من تجرد باعثه للرياء أيضاً، لكن العادة خصّصته بتجريد القصد للتقرب إلى الله، كما خصّت كلمة الإلحاد بالميل عن الحق. 9

ويضرب أمثلة كثيرة لأعمال يدخلها حظ النفس مع قصد القربة: من يصوم لينتفع بالحمية، ومن يحج ليصحّ بالسفر، ومن يتعلم العلم ليسهل عليه طلب الكفاية أو ليعزّ بين العشيرة، ومن يكتب المصحف ليجوّد خطه، ومن يتوضأ ليتبرّد، ومن يعتكف ليخفّ عليه كراء المسكن. 10 11 ويرى أن الإنسان قلّما ينفك عمل من أعماله عن حظوظ عاجلة، ولذلك ينقل قولاً: من سلمت له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله نجا. 12

ويقرر أن هذا الصفاء لا يتصور إلا من محبّ لله مستغرق الهم بالآخرة، حتى يصير أكله وشربه ونومه عبادة لأنه يريد بها التقوّي على الطاعة؛ ومن غلبت عليه الدنيا والرياسة اكتسبت عباداته تلك الصفة فلا تسلم إلا نادراً. 13 14 ويحكي عن بعضهم أنه قضى صلاة ثلاثين سنة كان يصليها في الصف الأول، لأنه تأخر يوماً فصلى في الصف الثاني فاعترته خجلة من الناس، فعرف أن نظرهم إليه كان سبب راحته. 14 15

العلماء والوعاظ أشد تعرضاً

يرى الغزالي أن أشد الخلق تعرضاً لهذه الفتنة العلماء، لأن الباعث عند أكثرهم على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالأتباع والحمد. 15 وعلامته عنده أن الواعظ إذا ظهر من أقرانه من هو أحسن وعظاً فانصرف الناس إليه ساءه ذلك، ولو كان باعثه الدين لشكر الله أن كفاه المهم بغيره. 16 ويضرب المثل بأن عمر لو اغتمّ بتقدم أبي بكر للإمامة لكان غمّه مذموماً، وأنه فرح بقيام من هو أولى منه بالأمر. 17

أقوال الشيوخ

يجمع الغزالي تعريفات الصوفية للإخلاص ويبيّن إلى أي آفة يشير كلٌّ منها: 18

  • السوسي: الإخلاص فقد رؤية الإخلاص، لأن من شاهد إخلاصه احتاج إخلاصه إلى إخلاص؛ ويراه الغزالي إشارة إلى تصفية العمل من العجب. 18 19
  • سهل التستري: أن يكون سكون العبد وحركاته لله خاصة، ويصفها الغزالي بأنها «كلمة جامعة»؛ وفي معناها قول إبراهيم بن أدهم إنه صدق النية مع الله. 19
  • رويم: ألا يريد صاحب العمل عليه عوضاً في الدارين؛ ويراه الغزالي إشارة إلى إخلاص الصديقين. 19 20
  • أبو عثمان: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، وهو إشارة إلى آفة الرياء. 21
  • المحاسبي: إخراج الخلق عن معاملة الرب. 21
  • الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. 22
  • الجنيد: تصفية العمل من الكدورات. 22

ويختم بأن «البيان الشافي» عنده جواب النبي ﷺ لمن سأله عن الإخلاص بأن يقول ربي الله ثم يستقيم كما أُمر؛ ويقول العراقي إنه لم يره بهذا اللفظ، وإن الترمذي وابن ماجه رويا عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه «قل ربي الله ثم استقم»، وهو عند مسلم بلفظ «قل آمنت بالله ثم استقم». 2 23 24

الإخلاص والعجب: مسألة الحظوظ

يورد الغزالي أن العابد لأجل نعيم الجنة «معلول» عند بعض الشيوخ، ثم ينقل أن القاضي أبا بكر الباقلاني قضى بتكفير من يدّعي البراءة من الحظوظ لأنها من صفات الإلهية، ويقول إن ما ذكره حق، لكن القوم أرادوا البراءة مما يسميه الناس حظوظاً من شهوات الجنة، أما التلذذ بالمعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله فهو حظّهم. 20 21

درجات الآفات في الصلاة مثالاً

يرتب الغزالي آفات الرياء في المصلي أربع درجات يزداد خفاؤها: 2

  1. أن يحسّن صلاته لأن أحداً ينظر إليه، وهو الرياء الظاهر الذي لا يخفى على المبتدئين. 25
  2. أن يأتيه الشيطان «في معرض الخير» فيقول له إنه قدوة فليحسن عمله ليقتدى به؛ ويراه الغزالي عين الرياء، لأنه لو كان يرى الخشوع خيراً لما رضي لنفسه تركه في الخلوة. 25 23
  3. أن يسوّي بين صلاته في الخلوة والملأ لئلا يكون في صورة المرائين، وهو عنده «من الرياء الغامض» لأنه ما زال ملتفتاً إلى الخلق. 24 26
  4. أن يذكّره الشيطان بعظمة الله إذا نظر إليه الناس فيخشع ويظن ذلك إخلاصاً، وعلامة السلامة أن يكون هذا الخاطر مألوفاً له في الخلوة كما في الملأ. 26 27

ويشبّه تفاوت هذه الآفات بغشّ الذهب: منه ما يدركه كل أحد، ومنه ما لا يدركه إلا الناقد البصير، ويرى أن غشّ القلب أدق من ذلك. 28

العمل المشوب: هل يثاب؟

للزوار الصغار

الإخلاص أن تعمل الخير لأن الله يحبه، لا لكي يمدحك الناس. ويقول الغزالي إن علامة ذلك أن تكون صلاتك وحدك مثل صلاتك أمام الناس، وأن تفرح إذا قام غيرك بالخير مكانك.

ملاحظات للباحثين
  • النص من ملف الشاملة، وأرقام الصفحات صفحات الملف لا المطبوع.
  • الحكم على الأحاديث منسوب إلى العراقي في حواشي الطبعة، لا إلى المتحف.

الآراء في المسألة

المسألة: هل يُثاب العمل الذي اختلط فيه قصد التقرب بباعث نفسي أو برياء؟

الرأي الأول · أهل السنة (إطار المتحف)المرجع الأساسي

الحكم بقدر قوة الباعث: إن تساوى الباعثان تساقطا، وإن غلب الرياء أضرّ، وإن غلب قصد التقرب أُثيب بقدر الزيادة

يذكر الغزالي أن ظاهر الأخبار يدل على أن العمل المشوب لا ثواب له وأن الأخبار لا تخلو من تعارض، ثم يقرر بحسب ما «ينقدح» له أن العبرة بقوة الباعث، ويستدل بأن مثقال الذرة من الخير والشر لا يضيع.

ممن قال به: أبو حامد الغزالي

المستند: إحياء علوم الدين للغزالي، مع تخريج العراقي (ط. دار المعرفة، ملف المكتبة الشاملة) ص 8157-8160، بيان حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به؛ وفي الحاشية تخريج العراقي لحديثي أبي داود والنسائي في من غزا يبتغي عرضاً من الدنيا

الصلات

استكشف الصلات

ورد في
إحياء علوم الدين
جزء من
التصوف
ذو صلة بـ
الإنابة· الرياضة

قد يهمك أيضًا

المقامات والأحوال· الفقر (في التصوف)· الغرور· حب الجاه· الرضا بالقضاء· علم المعاملة وعلم المكاشفة· الخلوة· التوبة

المصادر

  1. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8137
  2. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8148
  3. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8117
  4. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8118
  5. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8119
  6. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8120
  7. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8121
  8. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8132
  9. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8133
  10. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8134
  11. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8135
  12. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8136
  13. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8138
  14. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8139
  15. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8140
  16. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8141
  17. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8142
  18. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8143
  19. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8144
  20. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8145
  21. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8146
  22. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8147
  23. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8150
  24. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8151
  25. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8149
  26. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8152
  27. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8153
  28. al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad al-Tusi. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت (نص المكتبة الشاملة). , p. 8155
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «الإخلاص». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/ikhlas/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-11-04.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · ساهم في إكماله · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

المقامات والأحوال

اصطلاح صوفي لمنازل سير القلب إلى الله وما يرد عليه فيها: فالمقامات عند كثير منهم كسبية والأحوال وهبية. سماها ابن تيمية «أعمال القلوب» وجعلها واجبة على جميع الخلق، ونقد ابن القيم في مدارج السالكين ترتيبها ترتيباً متتابعاً كمنازل السفر الحسي، ورأى أن السالك يستصحب كثيراً منها في كل منزلة.