شروط النصيحة وضوابطها

تأليف نظير عياد

The conditions and manners of giving advice (nasiha)

سؤال من رجل رفع أخوه الصغير صوته على أخيهم الأكبر أثناء تشاور عائلي ويرغب في نصحه، عن الشروط والضوابط التي يلتزم بها عند النصيحة، أجابت فيه دار الإفتاء المصرية بأن نصحه من محاسن الأخلاق ومقتضيات التناصح المشروع، على أن يراعي فيه أن تكون النصيحة خالصة لله، وأن تؤدى سرًّا ما أمكن صيانة لكرامة المنصوح، وبلطف ورفق وعبارة مناسبة دون تعيير، وألا تكون مشروطة بقبوله، وألا يترتب عليها ضرر معتبر في الحاضر أو المستقبل. بيّنت الدار منزلة النصيحة بتعريف الجرجاني والنسفي وحديث الدين النصيحة وحديث حق المسلم على المسلم، وعرضت قولين في حكمها: وجوبها مطلقًا عينًا أو كفاية كما قال ابن بطال والعيني والنفراوي والعدوي، أو التفريق بين الندب ابتداءً والوجوب عند الاستنصاح كما قال ابن عاشور. ثم فصّلت الضوابط مستدلة بحديث إنما الأعمال بالنيات، وبأقوال الشافعي وسفيان بن عيينة وابن قدامة وابن رجب وابن حجر في الإسرار بالنصيحة، وبسنة النبي ﷺ في التعريض بقوله ما بال أقوام كما في قصة بريرة، وبكلام ابن حزم في الأخلاق والسير في التعريض وعدم اشتراط القبول، وبحديث الرفق وكلام النفراوي، وبقاعدة لا ضرر ولا ضرار عند الشاطبي والزركشي وما قاله ابن بطال في سقوطها عند خشية الأذى.

العمق

نظرة سريعة

المراجعة
الاكتمال 1/5 · ساهم في إكماله

موجز

سؤال عن ضوابط نصح الأخ الصغير الذي رفع صوته على أخيه الأكبر، أجابت فيه دار الإفتاء المصرية بأن النصيحة من محاسن الأخلاق، على أن تكون خالصة لله، سرًّا ما أمكن، بلطف ورفق، غير مشروطة بالقبول، ولا يترتب عليها ضرر معتبر. 1

السؤال

ذكر السائل أن رجلًا اجتمع مع إخوته للتشاور في بعض الأمور العائلية، فارتفع صوت أخيه الصغير على أخيهم الأكبر سنًّا أثناء النقاش، وأنه يرغب في نصحه بعدم تكرار هذا التصرف، وسأل: هل هناك شروط وضوابط عليه أن يلتزم بها عند تقديم النصيحة له؟ 1

الجواب

بدأت الدار ببيان منزلة النصيحة، فهي من أجلّ دعائم الألفة ووحدة الصف وبها يُستدرك الزلل، وعرّفتها بتعريف الشريف الجرجاني في التعريفات (ص241) بأنها الدعاء إلى ما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد، وبقول النسفي في تفسيره (1/576) إن حقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، واستدلت بحديث تميم الداري في صحيح مسلم أن الدين النصيحة، الذي قال النووي في شرحه (2/37) إنه حديث عظيم الشأن عليه مدار الإسلام، وبحديث أبي هريرة في صحيح مسلم في حقوق المسلم على المسلم ومنها إذا استنصحك فانصح له. 1 ثم عرضت قولين في حكم النصح: الأول أنه واجب في الحالين سواء كان ابتداءً أو استجابة لطلب، على خلاف بينهم هل هو واجب عيني أو كفائي، كما قال ابن بطال في شرحه على البخاري (1/129) والعيني في عمدة القاري (1/322) والنفراوي في الفواكه الدواني (2/292) والعدوي في حاشيته على كفاية الطالب (2/426)؛ والثاني التفرقة بين النصيحة ابتداءً فهي مندوبة، والنصيحة بطلب المسلم فتتعين وتصير واجبة، كما قال محمد الطاهر بن عاشور في جمهرة مقالاته (1/332). 1

ثم فصّلت الدار ضوابط النصيحة التي تهيئ لقبولها، وبدأت بأن النصيحة عامة في شؤون الدين والدنيا كما قال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص730) والمناوي في فيض القدير (5/387)، لكنها تشق على النفوس المجبولة على كراهية من يكشف خللها، فجاءت الشريعة بآداب لها، أولها أن تكون صادقة خالصة لله لا للشهرة أو التشفي، واستدلت بحديث عمر المتفق عليه أن الأعمال بالنيات. 1 وثانيها أن تكون سرًّا لا على الملأ صيانة لكرامة المنصوح، وهو هدي السلف، فقد رُوي عن الشافعي فيما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء أن من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه، وعن سفيان بن عيينة فيما رواه علي بن المديني أن مسعرًا كان يحب أن يُخبَر بعيوبه بينه وبين الناصح لا بين الناس، وقال ابن قدامة في مختصر منهاج القاصدين (ص102) ينبغي أن يكون النصح سرًّا، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/225) إن السلف كانوا يعظون سرًّا، وابن حجر في فتح الباري (1/81) إن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان. 1 وثالثها أن تكون بأسلوب غير مباشر بطريق التعريض لا التصريح متى حقق المقصود، فإن لم يفهم المنصوح تعيّن التصريح بقدر الحاجة، وهو هدي النبي في ترك تعيين المخطئ والاكتفاء بقوله ما بال أقوام، كما في قصة بريرة التي رواها الشيخان عن عائشة حين قام النبي على المنبر منكرًا اشتراط شروط ليست في كتاب الله، وكما جمعه ابن حزم في الأخلاق والسير (ص45). 1 ورابعها أن تُبذل بلطف وأدب ورفق لأن النفوس تنقاد للكلمة الطيبة، مستدلة بحديث عائشة في صحيح مسلم أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، وبقول النفراوي إن النصيحة تكون بالقول اللين. 1 وخامسها ألا يجعل الناصح قبول المنصوح شرطًا لأدائها، فليس عليه إلا بذل النصح لا ضمان قبوله، كما قال ابن حزم إن من نصح بشرط القبول فهو ظالم. 1 وسادسها ألا يترتب على النصيحة ضرر معتبر يلحق بالناصح أو المنصوح في الحال أو المآل، فإن غلب على الظن أنها تؤول إلى مفسدة راجحة لم يُشرع الإقدام عليها، لحديث ابن عباس عند ابن ماجه لا ضرر ولا ضرار، الذي جعله الشاطبي في الموافقات (3/61) قاعدة مقررة، وقال الزركشي في المنثور (2/321) إن الضرر لا يُزال بالضرر، وقال ابن بطال إن النصيحة لازمة إذا أمن الناصح المكروه، فإن خشي الأذى فهو في سعة منها. 1

وخلصت الدار إلى أن نصح الرجل أخاه الصغير بعدم تكرار رفع صوته على أخيهم الأكبر من محاسن الأخلاق ومقتضيات التناصح المشروع، مع مراعاة أن تكون النصيحة خالصة لوجه الله، وأن تؤدى سرًّا ما أمكن، وبلطف ورفق وعبارة مناسبة دون تعيير أو تجريح، وألا تكون مشروطة بقبوله، وألا يترتب عليها ضرر معتبر في الحاضر أو المستقبل، رجاء أن تؤتي ثمرتها على أكمل وجه. 1

عن هذا السجل

نشرت دار الإفتاء المصرية هذه الفتوى على موقعها dar-alifta.org برقم 9020 بتاريخ 21 يوليو 2026 ضمن تصنيف الآداب والأخلاق، من فتاوى مفتي الجمهورية نظير محمد عياد. 1 يسجّل المتحف هذا النص وثيقةً تاريخية منسوبة إلى من أصدرها، ولا يُصدر فتوى.

الصلات

استكشف الصلات

عن
النصيحة· قاعدة لا ضرر ولا ضرار· حقوق المسلم على أخيه المسلم

قد يهمك أيضًا

الحب للأخ· الظلم· الأربعون 7 — الدين النصيحة· الأربعون 32 — لا ضرر ولا ضرار· مسلم 55 — الدين النصيحة· الحقوق (سلسلة خطب)· ضوابط الرياضات القتالية· حكم أخذ مكافأة أو كود خصم مقابل تقييم المنتجات على مواقع الشراء

المصادر

  1. Dar al-Ifta al-Misriyyah. Dar al-Ifta al-Misriyyah — fatwas. Dar al-Ifta al-Misriyyah (dar-alifta.org). , fatwa 9020

الصفحة الأصلية

اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «شروط النصيحة وضوابطها». islam.museum، https://islam.museum/ar/work/fatwa-dar-alifta-conditions-and-manners-of-giving-advice/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-11-02.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · JSON

الجناح

الكلمة

القرآن والحديث والشعر، ولغات الشعوب المسلمة وخطوطها.
ذو صلة

الحب للأخ

أن يحب المؤمن لأخيه وللناس ما يحب لنفسه من الخير؛ جاء في حديث أنس بن مالك «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ولفظ مسلم «حتى يحب لجاره أو لأخيه»، وعند ابن حبان «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير»؛ يبين ابن رجب أن هذه الزيادة توضح أن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته لا نفي أصله، فإن الإيمان يُنفى كثيراً لانتفاء بعض أركانه وواجباته، ومن ذلك محبة الخير للأخ والجار والناس؛ ويعد أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد حديث «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه» أحد الأحاديث الأربعة التي يتفرع منها جماع آداب الخير. وعند المسعودي سأل يحيى بن خالد أهل الكلام في مجلسه بعدما أكثروا في الكمون والظهور والقدم والحدوث فقولوا في العشق، فتكلم إمامي وخارجي ومعتزلي وهشام بن الحكم والنظام كل على مذهبه، وتنازع الناس في ابتداء وقوع الهوى أمن نظر وسماع أم اختيار واضطرار، فقال بقراط هو امتزاج النفسين، وقال بعض الأطباء إنه طمع يتولد في القلب يستحيل إلى السوداء حتى يموت صاحبه أو يقتل نفسه، وذهب بعضهم إلى أن الله جزأ كل روح أنصافاً فكل جسد لقي نصفه عشق ضرورة، واستشهدوا بالأرواح جنود مجندة وشعر جميل بثينة، وقال جالينوس المحبة تقع بين العاقلين لتشاكلهما في العقل ولا تقع بين الأحمقين